مقالات ادبية واجتماعية وفنية
داود سلمان الشويلي
ناقد | عراقي
لا نريد أن نقدم لهذه السطور جوابا عن سؤالنا الذي مفاده: ماذا كنا نقصد بالحركة لأن ذلك قد بيناه في القاموس الذي تحدث عن مصطلحات هذا المنهج (1).
ان النظريات التي وضعت عن نشأة الكون عبر التاريخ هي ثلاثة، نظرية الأساطير، ونظرية الدين، وما توصل له العلم من نظريات، وكل واحدة من هذه النظريات الثلاثة تقدم الأسباب الموجبه لنشأة الكون.
في هذه الدراسة سنقدم تحليلا ضافيا لاضاءة هذه النظريات حسب منهج الحركات الذي اجترحناه في كتابنا (السقوط والصعود في القصص الشعبي - "نحو منهج لدراسة القصص الشعبي") الذي صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة عام 2022.
–الحركة الكبرى الأولى – في الأساطير:
تتنوع قصص خلق الكون في الديانات غير السماوية، والفلسفات القديمة، اعتمادا على الأساطير بين أساطير التوالد الذاتي، انبثاق من محيط أزلي، أو تشكّل من جسد كائن أولي، غالباً ما تتضمن آلهة متعددة أو قوى طبيعية (مثل الماء والهواء) بدلاً من الخلق المباشر من العدم، مما يعكس نظرة أسطورية أو فلسفية لنشأة الوجود.
–الحركة الصغرى الأولى - السومريون:
ساد الاعتقاد بأن العالم كان فراغاً مائياً (الإلهة نمو) التي ولدت "آن" (السماء) و"كي" (الأرض). تزوجا فأنجبا "انليل" (الهواء) الذي فصل بينهما، لترتفع السماء عن الأرض.
–الحركة الصغرى الثانية -الهندوسية:
تشير الأساطير إلى تحول أجزاء من جسد الكائن الأولي "بوروشا" إلى عناصر الكون والآلهة، مع تطور لاحق لثالوث براهما (الخالق)، فيشنو (الحافظ)، وشيفا (المدمّر). كما تؤمن بتناسخ الأرواح وفكرة أن الكون يمر بدورات خلق وفناء لا نهائية.
–الحركة الصغرى الثالثة - المصريون القدماء:
بدأ الخلق من "المحيط الأزلي" (نون)، حيث ظهرت بيضة كونية انفجرت ليخرج منها الإله الأول "أتوم". ثم نشأت عناصر الهواء (تشو) والندى (تفنوت) من عطاسه وبصاقه، وانفصلت السماء (نوت) عن الأرض (جب).
–الحركة الصغرى الرابعة - الأساطير الإغريقية:
يروى أن الكون بدأ من "الكاوس" (الفوضى/الفراغ الأول)، ومنه انبثقت الأرض (جايا) ثم السماء (أورانوس)، وتوالدت الآلهة لتشكل الوجود.
–الحركة الصغرى الخامسة - الديانات الهندية القديمة (البوذية/الجاينية):
تركز على أن الكون غير مخلوق من إله شخصي، بل هو نتاج لقوانين الطبيعة و"الكارما" (الأفعال)، حيث ينشأ ويفنى في دورات أزلية دون بداية محددة.
تجمع هذه التصورات على وجود "مادة أولية" أو "قوى فاعلة" سبقت وجود الكون المنظور، بعكس المفهوم التوحيدي للخلق من العدم.
–الحركة الكبرى الثانية – الدين:
في الديانات الثلاثة التي تعد مرسلة من إله واحد هو "إلهيم" في الديانة اليهودية، و"الله" في المسيحية، وفي الاسلام نظرية واحدة هي النظرية التي اعتمدها الدين اليهودي كما شرحها في سفر التكوين، الاصحاحين الأوّل، والثاني، إذ الكون لم ينشأ مصادفة، بل أُخرج من العدم إلى الكينونة من قبل إله واحد غير مخلوق، وهي مأخوذة من أساطير رافدينية سومرية، وبابلية).
هذه النظرية تعتمد أساسين، هما:
–ان الله أزلي، ولم يكن مخلوقا.
–الله هو خالق الكون، وما فيه من كائنات حية، وغير حية.
–الحركة الصغرى الأولى – في الديانة اليهودية:
جاء في العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاحين الأوّل، والثاني، ما يلي:
((في البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه، وقال الله ليكن نور فكان نور، وفصل الله بين النور، والظلمة، ودعا الله النور نهارا، والظلمة دعاها ليلا، وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلا بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد، والمياه التي فوق الجلد، ودعا الله الجلد سماء، وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة، ودعا الله اليابسة ارضا، ومجتمع المياه دعاه بحارا، وقال الله لتنبت الأرض عشبا، وبقلا يبزر بزرا، وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه، وكان يوما ثالثا، وقال الله لتكن انوار في جلد السماء لتفصل بين النهار، والليل، وتكون انوارا في جلد السماء لتنير على الأرض، فعمل الله النورين العظيمين النور الأكبر لحكم النهار والنور الاصغر لحكم الليل، والنجوم، وكان يوما رابعا، وخلق الله الكائنات الحية، وكان يوما خامسا، وخلق الانسان، وكان يوما سادسا، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله فاستراح في اليوم السابع)).
–الحركة الصغرى الثانية – في الديانة المسيحية:
جاءت نظرية نشأة الكون في الفكر المسيحي متأثرة بالنظرية في الفكر اليهودي، مع بعض الاختلافات التي لاتؤثر في الفكرة. يروي يوحنا قصة الخلق فيقول: ((في البدء كان الكلمة وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه)). (انجيل يوحنا 1: 1.).
–الحركة الصغرى الثالثة – في الديانة الاسلامية:
جاءت نظرية نشأة الكون في الفكر الاسلامي، وهي متأثرة بفكر نشأة الكون اليهودية، مع بعض الاختلافات التي لاتؤثر في الفكرة.
جاء في الأحاديث النبوية: ((كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض))(صحيح البخاري رقم: 3191 عن عمران بن حصين). وقال أيضاً: ((أولُ ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة)). (رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبادة بن الصامت)
–الحركة الكبرى الثالثة – العلم:
من خلال نظرية علمية يؤكد العلم الحديث أن الكون قد نشأ من نقطة واحدة فائقة الكثافة، والحرارة، قبل حوالي مليارات من السنين، فتكون كل شيء في الكون.
–الحركة الصغرى الأولى:
ان النموذج العلمي الأكثر قبولاً هي نظرية الانفجار العظيم التي تشير الى وجود نقطة متناهية في الصغر، والكثافة، ثم توسعت لتكوّن المادة، والطاقة.
وكان في مراحله الأولى عبارة عن غازات حارة معتمة ناتجة عن ذلك الانفجار العظيم.
هذه نظرة الأساطير، والدين، والعلم، لنشأة الكون، وهي نظريات قابلة للدحض في الوقت نفسه، فلا الأساطير تستطيع أن تبرهن صدق ما تدعيه، ولا الديانات المسماة ديانات سماوية تستطيع أيضا ان تبرهن بالدليل ما ذهبت اليه، ولا العلم قادر أن يقول ان نظريته هذه هي النظرية المبرهن عنها بالدليل العلمي القاطع.
الهوامش:
1–كتابي المخطوط (منهج الحركات لدراسة النص الأدبي "نماذج دراسية") الفصل الخامس (المعجم البسيط لمنهج الحركات).
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي