loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

بين الترجمة والانتقاء: رؤية طه حسين في كتاب (من هناك)

breakLine
2026-06-02

إبراهيم رسول
ناقد | عراقي

 

لا تُحيل دلالة عنوان الكتاب (من هناك) إلى مكانٍ جغرافيٍ معلومٍ فحسب, بل تومئُ بصورةٍ مباشرةٍ إلى فضاءٍ ثقافيٍّ آخر, أراد العميدُ أنْ يفتح للقارئ العربيّ نافذةً تطلّ عليه, فمفردة (هناك) ليست جهةً على الخريطة بقدرِ ما هي عالمٌ من الأفكار والتجارب والرؤى الإنسانية المتطورة التي استوقفت الكاتب وأعجبته, ومن دلائل إعجابه أنَّه رأى أنْ ينقلها إلى العربيّة, لهذا فترجمته لا تقف في حدود الترجمة, بل تتجاوزها إلى معنى ثقافيٍ يُراد نقله إلى الثقافة العربيّة, وأحسبُ أنَّه وُفِقَ إلى ما أراد كثيرًا, فمن خلالِ هذه الاختيارات نعرفُ ذوقَ المترجم ورؤاه, فهو يُظهر تفضيلاً واضحًا للثقافة الفرنسية مقارنةً بغيرها وهذا الكتاب دليلٌ على ذلك.
أوضحُ ما يُلفتُ الانتباه في هذا الكتاب, أنَّ المؤلفَ لم يتعاملْ مع الترجمة بوصفها عمليةً آليةً لنقل الكلمات من لُغة إلى أخرى, بل كان التركيزُ على المعنى الثقافيّ الذي تضمرهُ الترجمة والقصص ذاتها, فهو يبرر إعجابه بإحدى قصص بول هرفيو فيقول: فقصص بول هرفيو ليس جميلاً لما فيه من فلسفة فحسب, بل هو جميل لأنه يتصل بهذا القصص التمثيلي القديم في تصوره للحياة, وفي تصويره لهذه الحياة, كما يتصل بهذا القصص التمثيلي القديم في إيثاره للجمال الفني, يلائم فيه بين الألفاظ والمعاني ملاءمة تبهرك بما فيها من جلال, يظهر الألفاظ كما يظهر في المعاني كما يظهر في الأغراض التي يرمي إليها, وكما يظهر في الصور المختلفة التي يتخذها وسيلة إلى هذه الأغراض. (الكتاب: 43), إذنْ يقرّ العميد بسبب اختياره لهذه القصص دون غيرها ولهذه الثقافة دون غيرها, فهو يرى فيها قيمة إنسانية وفنية تستحقّ أنْ تعبر حدودها الجغرافية, فالمتأمّلُ في اختيار القصص يجد أنَّها تُمثّل موقفًا نقديًا؛ إذ يكشف هذا الموقف رؤية المترجم قبل أنْ يكشف طبيعة تلك النصوص المُترجمة, وهذا يتضح أكثر في اختياره للقصص التي ترجمها, التي تُعنى بالإنسان وهمومه ومشاعره وصراعاته الداخلية, بعيدًا عن الغرابة أو الإثارة العابرة, إذ تستهويه القصص الإنسانية المكتوبة بجمال فني, فهو يشترط الشرطين معًا لتتحقق عنده القيمة الأدبية, لأنَّ عقلانيةَ المنهج النقدي عنده تفرضُ عليه أنْ ينتقيَ من القصص ما يلامس روح الإنسان وجوهره وفي الوقت ذاته دون إهمال القالب الفني الذي تُصاغ به القصص, لهذا لا نجدهُ يبحث عن قصص ممتعة مسلية بقدر ما يبحث عن قصص تمنحه فرصًا للتأمّل العميق في أعماق النفس الإنسانية, وهذا ما نراه بوضوحٍ في ترجمته للقصص التي تحمل أبعادًا أخلاقيةً ونفسيةً واجتماعيةً, والسؤال الذي يُثارُ هنا هو سؤال يُمثّل رؤية المقالة هذه التي نقرأ بها الكتاب, وهو: لماذا اختار العميد طه حسين هذه القصص وأولئك الكتاب دون غيرهم؟ والجوابُ عن هذا السؤال المفترض, يُمثِّل فكرة المقالة وربما يمثّل فكرة الكتاب ورسالته التي يريدها المترجم, ونلخص الجواب في نقاطٍ خمسٍ نراها تمثّل الفكرة أقرب وأصدق تمثيل:
1–القيمة الإنسانية للنصوص, فقد أعرب بوضوح عن رؤيته هذه, من خلال اختياره لنصوص تعبّر عن الإنسان في جوهر قضاياه, مثل الحبّ, الألم, الضعف, الصراع والأمل, وهذه مشتركات عامة لا تقف عند البيئة الفرنسية, بل تشمل الإنسان أينما كان, لهذا جاءت القصص لتحكي عن المشتركات العامة لكافة الشعوب والمجتمعات الإنسانية.
2–القيمة الفنية, فالترجمةُ أنواعٌ, والترجمة الأدبية لا تكفي بنقل المعنى فحسب, بل تنتقي له أجمل الألفاظ التي تُناسب قيمته, وهذا ما نجده يتجسد في كلّ القصص, إذ تبدو أنّها آية من آيات الأدب الجميل, فالبناء الفني للشخصيات والأسلوب كان سببًا في ترجمة النصوص, وهذا أيضًا, يُعدّ مشتركًا إنسانيًّا عامًا, تشترك فيه الإنسانية جمعاء, فالجميع يريد الشكل الفني الجميل.
3–التقارب مع مشروعه التنويري, العميد طه حسين, صاحب مشروع تنويري, وهذا ما جعله يؤمن بالانفتاح الثقافي على الآداب العالمية, لأنَّه الرؤيةَ الضيقة المحدودة لا تجعل الإنسان يتقبل الآخر ليتعايش معه ويتعاون معه اقتصاديًا وثقافيًا, فالانفتاحُ محمودٌ؛ لأنّه يخرجُ المرء من الفضاء المحدود إلى اللامحدود.
4–ملاءمتها للذائقة العربيّة, فالنصوصُ التي ترجمها لا تختصر في خصوصية فرنسية مغلقة, لأنَّها مشتركاتٌ عامةٌ, وهموم تعيشها الذائقة الإنسانية, ولهذا فاختياراته موفقة من حيث أنّها تصبّ في جانب الإنسان بأيّ بيئةٍ أو ثقافة كان, ولهذا وافقت مزاجَ البيئة العربية وذائقتها كونها هي قصص تلتقي معها في جوانب عديدة. 
5–انعكاسٌ لذائقته الشخصية, كلُّ اختيارٍ يكشف بالضرورة جانبًا من شخصية صاحبه, فالقصصُ التي ترجمها كشفت ميوله الشخصية الفكرية والجمالية, وكشفت أيضًا عن رؤيته للأدب بوصفه رسالة إنسانية عامة لا مجرّدَ متعة فنية فحسب.
لهذا, فإننا ننظرُ إلى قيمة الكتاب هذا, ليس بوصفه مجرّد ترجمةٍ لقصص فحسب, بل نراه جزءًا من مشروع العميد طه حسين التنويري الذي بقيَ مخلصًا إليه حتى آخر حياته, فهو نافذة نطل من خلالها على الآخر صاحب التجربة الثرية والخبرة المتراكمة, لنأخذ من الآخر نتائج تجاربه التي انتهى إليها, لذلك ظلّت موضوعات القصص إلى اليوم قابلةً للقراءة والتأويل, لأنَّ الإنسانَ بكلِّ قضاياه الأخلاقية والنفسية والاجتماعية هي محورُ السرد, ونحن لا نتعرّف إلى الآخر الغربي بقدر ما نتعرّف على صاحبنا الذي تأثر ذلك التأثير لدرجة الإعجاب والمشاركة بنقله إلى الوعي العربيّ, فطه حسين أراد أنْ يُقربنا من الآخر, ويقلل من المسافة بيننا.
ثمّة مفارقة لا أظنّها موفقة, فهو يقول من هناك ولا نعرف هذه الهناك أين تكون, لكنه في متن الكتاب يجعله معروفًا معلومًا بالبيئة الفرنسية وكأنّها الوحيدة التي راقت له وأعجبته, فأراد أنْ ينقلَ تجاربهم وثقافتهم إلينا, وأظنّ أنّ العميدَ كان يقصد, وبصورةٍ مضمرةٍ غير مباشرة, بل بمراوغة واضحة كما هو أسلوبه حينما يريد أنْ يضمن رأيه, فالهناك الذي يعنيه في العنوان, هو مسافة التطور والوعي والثقافة, كأنَّه يقولُ أنّ المسافة بعيدة من هذه النواحي وليست من النواحي الجغرافية وهذا ما يجعل الناس تُهاجم العميد وتسيء له, لأنَّه  يرجّحُ الثقافة الفرنسية على كل ثقافة أخرى, فهو يمارسُ نوعًا من المراوغة التي يضمرها بأسلوبه, لكنّها مكشوفة للقارئ اللبيب.
ومن المؤاخذات النقدية التي تُحسب سلبًا على قيمة الكتاب, أنَّ النص الأصلي غير معروف تامًا لدينا, ولم يذكرْ المترجم تعريفًا بالقاص أو شيئًا من سيرته ولا ظروف كتابته للقصة ولا تاريخ نشرها ولا المصدر الذي نشرت فيه, فنحنُ نتلقّى النص مترجمًا وهذا لا يتفقّ مع شروط البحث العلمي الذي يتحرّى الضبط والتعريف بالنص المُترجَم, وثمّة ملحوظة يقف عليها مشروع الدكتور  طه حسين كله, فهو انتقائيٌ بامتياز, والانتقاءُ موجّهٌ عنده لغاياتٍ يريدها العميد, فهو لا ينقل إلَّا ما فيه رسالة مضمرة يريد المترجم نقلها إلى الثقافة العربيّة, فأنت حينَ تقرأ لترجمات العميد وإعجابه المفرط بالثقافة الفرنسية تكاد تخلص إلى نتيجة واحدة, أنَّ الثقافة الفرنسية هي أفضل ما أنتجه العقل البشري وأنَّها سبقت العالم إلى التطور لذلك هي أفضل من غيرها بأنْ تكون النموذج أو المثال للاحتذاء! وهذا ما يؤخذ على العميد!
إذن, الحكم على هذا الكتاب نقديًا, ينبغي أنْ يحتكم إلى رؤية العميد التي يريد تقديمها وتصديرها, فأهمية هذا الكتاب, تقف في دلالة الانتقاء والترجمة, لهذا فالمترجم لم يكن محايدًا على الإطلاق لأنَّ الرؤية تسبق الذوق الفني, والاتجاه واضح المعالم, بل كان المترجم وفيًا لمشروعه الذي عمل عليه منذ بداياته التي انطلق منها, فالمشروع هو تقديم الثقافة الفرنسية على أنَّها النموذج الأرقى والأجدر بالاقتداء, وهذا ما يحدّ من تنوّع الأفق الثقافي.
وفي النهاية حين ننتهي من قراءة الكتاب, يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال الآتي: لماذا ترجم ما ترجم؟ والجوابُ متعدد الأوجه, ومن هنا نقول أنّ الكتابَ يحملُ مفارقةً دالّة فـ(هناك) التي تبدو في ظاهرها مكانًا بعيدًا، تتحوّل في العمق إلى موقفٍ ثقافيّ أكثر منها موضعًا جغرافيًا. إنّها المسافةُ التي كانَ العميدُ يراها فاصلةً بين واقعٍ عربيّ يتطلّع إلى النهضة، وعالمٍ غربيّ ظنّ أنّه بلغ من التقدّم ما يجعله جديرًا بالاقتداء. ولذلك لم يكن الانتقاء بريئًا من الرؤية، ولم تكن الترجمة منفصلةً عن الفكرة؛ إذ اجتمع الاثنان في مشروعٍ واحد أراد به طه حسين أن يعيد تشكيل وعي قارئه العربي.
وإذا كان يُؤخذ على الكتاب أنّه ضيّق أفق التمثيل الثقافي حين حصر اهتمامه في النموذج الفرنسي، فإنّ هذه المؤاخذة نفسها تكشف سرّ قيمته النقدية؛ لأنّ الكتاب لا يقدّم لنا الأدب الفرنسي وحده، بل يقدّم لنا صورة المثقّف العربي وهو ينظر إلى الغرب، ويختار منه الأدبَ الفرنسيَّ تحديدًا، ويعيد بناءه وفق حاجاته وأسئلته وأحلام عصره, وهكذا يغدو من هناك وثيقةً عن الدكتور طه حسين بقدر ما هو وثيقةٌ عن الأدب الفرنسي، ونصًّا يكشف فلسفة الاختيار أكثر ممّا يكشف مادة المختار نفسها. ولذلك تبقى قراءته اليوم قراءةً في وعي المترجم قبل أن تكون قراءةً في النصوص التي نقلها.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي