loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

المرأة والكرامة المهدورة

breakLine
2026-06-15

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 

في كثيرٍ من المجتمعاتِ لا تكونُ المرأةُ المُعنَّفةُ ضحيَّةَ زوجٍ قاسٍ فقط، بل ضحيَّة شبكةٍ كاملةٍ من الأفكارِ الاجتماعيةِ التي تجعلُ الألمَ أمراً «طبيعياً» يجب احتماله. والمفارقةُ المؤلمةُ أنَّ بعضَ النِّساءِ يتحوَّلنَ، بوعي أو من دونه، إلى حارساتٍ لهذا النِّظام الظالم، فيدفعنَ المرأةَ المُضطهدة إلى البقاء داخل دائرةِ العنفِ بدل مساعدتها على النَّجاة منها. 
المنطق الإنساني البسيط يقول إنَّ المرأةَ التي عاشت الإهانة والعُنف يجب أنْ تتعاطفَ مع امرأةٍ تمرُّ بالتَّجربة ذاتها، لكنَّ الواقعَ كثيراً ما يكشفُ العكس؛ إذ تواجه المرأةُ الرّاغبةُ في الطلاقِ وابلاً من النَّصائحِ التي تُطالِبُها بالصَّبرِ والتَّحمُّلِ «من أجلِ الأطفال»، أو خوفاً من «كلامِ النَّاس»، أو حفاظاً على «سمعةِ العائلة». وهنا يظهرُ السُّؤالُ الأكثرُ إيلاماً: لماذا يدافع المقهورُ عن القهر؟
ثمَّة أسبابٌ سيكولوجية وأخرى اجتماعية متشابكة.. فالإنسانُ الذي عاش طويلاً تحت القمعِ يتكيَّفُ مع ألمِهِ حتى يصبح جزءاً من هويته، ولكن حين يرى شخصاً آخر يحاول التَّحرُّرَ، يشعرُ، في أعماقه، بتهديدٍ نفسي؛ لأنَّ نجاةَ الآخر تفضح استسلامَهُ هو. المرأةُ التي أقنعتْ نفسَها لسنواتٍ بأنَّ «كلَّ الرِّجال هكذا» أو أنَّ «الحياة الزَّوجية قائمة على التَّضحية والصَّبر» قد تجد صعوبةً في تقبّلِ فكرة أنَّ امرأةً أُخرى ترفضُ هذا المصير وتقرِّرُ الدِّفاع عن كرامتِها. ولهذا تحاولُ أحياناً إعادتها إلى الزنزانةِ ذاتها بشتى الوسائل، لأنَّها تخشى مواجهة الحقيقة التي يُفترض أنْ ترفضها.
في علم النفس الاجتماعي، هناك ما يسمى بـ «توارثُ القهر». فالمجتمع الذي يُربّي النِّساء على الطّاعةِ المُطلَقةِ والخوفِ من الطَّلاق يصنع نساءً يحملن هذه الأفكار وينقلنها إلى غيرهن. وهكذا تتحوَّل «الضَّحية» تدريجياً إلى أداةٍ لحمايةِ المنظومة التي آذتها. إنَّهن، بعبارة أخرى، يكرِّرنَ العبارات نفسها التي سمعنها من أُمّاتهنَّ: «اصبري»، «الرَّجل لا يتغيَّر»، «المرأة المطلَّقة مكسورة»، «الأطفال سيدفعون الثمن». وكأنَّ المجتمع يريد الحفاظ على صورة الأُسرة حتى لو تحطَّمت روح المرأة داخلها.
لكن الحقيقة التي كثيراً ما يتمُّ تجاهلها هي أنَّ بقاءَ المرأةِ في علاقةٍ عنيفةٍ لا يحمي الأطفال دائماً، بل قد يدمِّرهم نفسياً. الطِّفل الذي يكبرُ في بيتٍ مليء بالصُّراخ والإهانة والعُنف يتعلَّم أنَّ القسوةَ أمر طبيعي، وقد يعيد إنتاجها مع شريكة حياته مستقبلاً. كما أنَّ المرأةَ التي تُجبَرُ على العيشِ بلا كرامةٍ تفقد شيئاً فشيئاً إحساسها بقيمتها الإنسانية، وتتحوَّل حياتُها إلى مجرَّد قدرةٍ على التَّحمُّل، لا إلى حياة كريمة.
المشكلةُ الكبرى أنَّ المجتمعَ ينظرُ إلى الطّلاقِ على أنَّه كارثةٌ تلحقُ بالمرأةِ، بينما نادراً ما يُحاسبُ الرَّجل الذي مارس العُنف أو الخيانة. وغالباً ما تُوضع الضَّحية تحت المجهرِ، ويُطلبُ منها تبرير قرارِها، فيما يظلُّ الجاني محمياً بعاداتٍ اجتماعية قديمة تعتبرُ الرَّجلَ «صاحب السُّلطة» حتى وإن كان ظالماً أو خائناً. وهكذا تجدُ المرأةُ نفسها أمام خيارينِ أحلاهما مرٌّ: إما البقاء مع رجلٍ يسحقُ إنسانيتَها، أو مواجهة مجتمعٍ ظالم يعاقبُها لأنَّها قرَّرت النَّجاة.
إنَّ الوقوفَ إلى جانبِ المرأةِ المضطهدة ليس دعوة إلى هدمِ الأُسرة، بل دفاعٌ عن المعنى الحقيقي للأسرة القائمة على السُّكنى والمودة والرَّحمة، إذ لا يًمكنُ اعتبار بيتٍ مليء بالخوفِ والشَّكِّ بيتاً مباركاً، ولا يُمكنُ تمجيد الصَّبر حين يتحوَّل إلى استسلام دائم للإهانة.
المجتمعات الصحيَّة لا تطلبُ من الإنسان أنْ يُضحي بكرامتِهِ كي يَرضى الآخرون عنه. والمرأةُ التي تختارُ الخروجَ من علاقةٍ مؤذيةٍ لا تستحقُ الإدانة، بل تستحق الدَّعم؛ لأنَّها امتلكت الشَّجاعةَ لفعلِ ما عجز كثيرون عن فعله: أنْ تقولَ للظُّلم «لا»، أو للزوج الخائن: أنتَ لست أهلاً لي.
إن أكثر ما تحتاجه المرأةُ المعنَّفةُ أو المخدوعةُ ليس النَّصائح التَّقليدية، بل مَن يُذكِّرُها بأنَّها إنسانةٌ كاملةُ الحقوقِ، وأنَّ الكرامةَ ليست رفاهية، وأنَّ النَّجاةَ من العُنفِ ليست أنانية ولا تمرُّداً على المجتمعِ، بل حقٌّ أساسي ومشروع من حقوقِها الإنسانية.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي