loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

العقل العربي.. في متاهة العنف والأسئلة والاغتراب الثقافي

breakLine
2026-06-12

 

علي حسن الفواز | ناقد عراقي

العقل العربي أصيب بسكتة معرفية أمام توحش الآخر، مستسلما لهزيمة نفسية تبرر تضخم السرديات الصغرى العدمية.

العربي أمام واقع معقد
لم يعد ربط “أزمة العقل العربي المعاصر” بحالة من الانفصام بين التراث والحداثة مقبولا، بل باتت الأزمة أكثر تعقيدا بسبب انهيار “النظام العربي” وغياب التفكير النقدي، مقابل تغول المركزية الغربية عبر العولمة، والعسكرة والنظام المالي، وأخيرا النيوليبرالية، وعلى نحوٍ جعل من حديث صدمة الاصطدام بالغرب محط سخرية، لأن الغرب المركزي بات أكثر عنفا في إدارة السياسات، وفي إضعاف البنى القومية وتقويضها من خلال إرغامات سياسية وأمنية ومثيولوجية.

فرضية “الشرق الأوسط الجديد” وفرضية “طريقة إبراهام” تذهبان في اتجاه تقوضت معه البداهات القديمة لـ”العدو الأيديولوجي” و”العدو التاريخي” الذي تكرس مع اللاوعي الجمعي، ومع تاريخ الهزائم الكبرى التي فرضت وجودا متعاليا للآخر “المنتصر” مقابل رثاثة فاضحة لعلاقة الهزيمة العسكرية بـ”العقل العربي” وغياب مؤسسات ومنابر نقده، مع متاهة أسئلته، واتساع منافيه واغتراباته الثقافية والوجودية.

العقل المهزوم
هذه الأسئلة الصادمة وضعت “العقل العربي” إزاء “عطالات مُركّبة” يختلط فيها الأيديولوجي والأنثربولوجي، والديني والسياسي، والطائفي والقومي، فالعولمة لم تعد خطرا، وحديث “الغزو الثقافي” لم يعد واقعيا ومقبولا، مثلما لم يعد العدو “الاستعماري” والعدو “الصهيوني” حاضرين في مخيالنا السردي، وفي أجندات خطابنا الدبلوماسي والسياسي والثقافي.

ما يحدث في حروبنا العسكرية لم يعد صالحا للقياس، وفي تمثيل صدماتنا الثقافية، وحتى في تعريف علاقتنا بهذا الآخر الملتبس والغامض، فالحرب الروسية – الأوكرانية ليست حربا أيديولوجية، بل هي حرب مراكز وجغرافيا وسرديات أمنية، لكن البعض منا جعلها جزءا من مراثي “حربه القومية” فراح ينحاز إلى هذا الطرف ضد الطرف الآخر، وكأنه يتماهى عبر هذا الانحياز مع ذاكرة “الحرب الباردة” حيث الشيوعية تقابل الرأسمالية، وحلف وارسو يقابل حلف الناتو، ولأن أغلبنا مسكون بعقدة تشهي “المركزية الغربية” فإن استعادة المواقف لم تتخلص من هذا اللاوعي المأزوم.

في حرب غزة والعدوان الإسرائيلي البشع عليها أصيب العقل العربي بـ”السكتة المعرفية” في الوقت الذي كشف “الآخر” عن أكثر البشاعات توحشا ورعبا وتدميرا، فخلط بين حرب الأرض وحرب التاريخ، ووضع تصوراتنا عن “الأمة” و”العروبة” و”الإسلاموية” أمام وقائع تدعو إلى الاستسلام للهزيمة، وإلى التماهي مع تكريس سردياتها منذ 5 يونيو 1967، حيث الاستغراق النفسي بما يشبه الدونية الثقافية، وتبرير القبول بتضخم “المركزية الغربية” بوصفها نظاما قدريا للعالم الذي يحاصرنا بديناصورات “الحداثة” وسردياتها الكبرى والصغرى.

العقل المهزوم، هو أكثر تمثلات “العقل العربي” حضورا، ليس لأن خطابنا النقدي بات عاطلا، ولأن الصراع بين تحيزات العقل العرفاني والبياني والبرهاني بتوصيفات محمد عابد الجابري لم يعد قائما، بل إن المفارقة جعلت من العقل البرهاني ذاته أكثر اغترابا، على مستوى “موت النقد” وفشل صناعة الخطاب والموقف، وعلى مستوى العجز عن إعادة صياغة المفاهيم، بما فيها مفاهيم الأمة والعروبة والهوية.

سرديات الاغتراب
إذا كانت تحديات العقل العربي محصورة سابقا بـ”السلطة واللغة والدين والأسطورة” فإن المنفى والاغتراب برزا بوصفهما الأشكال أكثر تعقيدا للتحدي، ليس لتكريس ظاهرة العزل الحضاري والثقافي، بل لفرض واقعية سوداء، تسوّغ الدخول القهري في مركزية الآخر، وفي تدوين سردياته المتخيلة عن العدو وعن العدل والقوة والسلطة، وعن “أوهام الديمقراطية” والحرية في استعمالاتنا قاموس السياسة المعاصرة، وفي النظر إلى توصيفات الدولة والاجتماع السياسي.

العقل المنفي ليس بالضرورة هو “عقل الاجتماع المهاجر”، بل هو عقل تائه بين التاريخ والسيرة والسرد، حيث فشل في صناعة مؤسسات ومصالح وسياسات وأجهزة إعلام وأيديولوجيا وبنوك تواجه ما هو متعال في فرضية “المركزية الغربية”، حتى بدت هذه المركزية كأنها مرجعية حمائية للنظام العربي، وأشكال الحكم، وفي التعاطي مع السياسات التي تُدار تحت يافطة الانخراط في متاهة “أصدقاء العالم” كما تروّج لها الأدبيات الأميركية، التي تكرست بشكل خطير مع شعبوية الرئيس ترامب، وصعود اليمين المعمداني في أميركا، وبدء تصاعد هواجس اليمين القومي المتطرف في المركزية الغربية ذاتها.

المشهد الثقافي العربي صار محكوما بما ينتجه الآخر من فكر ومن ريادة، خاصة مع استفحال أزمة العقل

قد يكون الحديث عن أزمة العقل ليس جديدا، لأنها جزء من أزمات كثيرة، ومن التساؤل الذي سبق أن طرحه فؤاد زكريا في كتابه “آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافية” ورؤيته لمحنة علاقة أزمة الفكر العربي من خلال أزمة الفكر العالمي، وهل هناك واقعية في “أن تُطبَّقَ عليه المقولات المستخدمة في وصف الأزمة الفكرية العالمية؟”.

الحديث عن هذه الأزمة بدا مختلفا اليوم، فالأوضاع شائكة ومعقدة، وإن النظر إلى التاريخ العربي برومانسية، أو بثورية لم تعد مجدية، وما حدث من ستين عاما مضت تحول إلى سردية ضاغطة، في تمثيل “التاريخ” وفي النظر إلى سرديات القوة الرمزية للفكر العربي والمكان العربي والهوية العربية، حيث بدت الهزائم العسكرية جزءا من الهزائم القومية.

ما حدث بعد عام 1990 مع غزو نظام صدام للكويت، هو سقوط للنظام الأمني العربي من الداخل، حيث سقط معه “الخطاب القومي الثقافي والأيديولوجي العربي” لأن أغلب الدول العربية اشتركت أيضا في عمليات “تحرير الكويت” مع القوات الأميركية التي تمثل الآخر الإمبريالي.

بعد التسعينات تحول المكان العربي إلى مكان أمني، وإلى جغرافيا لإنتاج مصادر للرعب، ولاستدعاء الآخر عسكريا، وعبر فاعليات المؤسسات الإعلامية والثقافية، وعبر الدخول في نظام شبكاته السياسية والاقتصادية، فضلا عن أن النظام العربي تحوّل هو الآخر إلى “نظام تصالحي” محكوم بمؤسسات عسكرية واقتصادية، وحتى “ثقافية” تقوم على تضخيم إنتاج سرديات الاستبداد، لاسيما بعد انهيار المعسكر السوفياتي، وتحوّل اليسار العربي الى يسار مكبوت، خضع مثقفوه إلى المطاردة والنفي.

وذلك صنع لنا منافي كبرى اختلط فيها اليأس الأيديولوجي والفشل العقائدي مع الحواضن الغربية التي تحولت من بيئات برجوازية معادية لليسار إلى ملاذات تخلخلت فيها الكثير من المفاهيم القديمة، حول الحرية والديمقراطية والطبقة والثورة والأيديولوجيا، وحتى حول مفهوم الأنسنة والعلاقة مع الآخر.

هذه المفارقات والتناقضات لم تكن بعيدة عن تداعيات الذاكرة السياسية، حيث ارتبط بعضها بإشكالات الحرب العراقية – الإيرانية، وما أحدثته من انقسام في العديد من الأوساط الثقافية، لاسيما في لبنان وسوريا وليبيا والجزائر، حيث تخلخلت معها بعض المنابر الثقافية، “الصحف، الجماعات الثقافية، المؤسسات المدينة، الأحزاب”، فجعلت من تشوهات “العقل العربي” جزءا من متاهة تلك الخلخلة، ومن تغول الاصطفاف السياسي، وحتى “الطائفي” وانعكاساته على “الصور الذهنية” لتمثيلات الخطاب الإعلامي، وعلى أوراق عمل وتوجهات الكثير من المؤتمرات الثقافية.

كما انسحبت إلى التشوهات العميقة في الأنظمة التعليمية الأكاديمية والمدرسية، وفي الأنظمة الاقتصادية الإنتاجية، وما تداعى من إسرائيل باحتلال بيروت، وقيامها بأكبر طرد ثقافي فيها لمثقفي اليسار العربي والقومي الهارب من الاستبداد، والمهووس بالحرية، المُساند للقضية الفلسطينية، وعلى نحوٍ جعل من أحداث التسعينات جزءا من هذه الذاكرة المجروحة، نتيجة لتفاقم مظاهر الصراع الداخلي، وانهيار القوى النقدية الفاعلة في المشهد الثقافي العربي وهروبها إلى المنافي البعيدة، وصولا إلى بروز ظاهرة العنف الأيديولوجي للتطرف الذي بدأ خلال أحداث سبتمبر 2001، ومع غزو افغانسان والعراق عام 2003.

أزمة التفكير النقدي
طغيان الآخر العسكري والأمني تحول إلى طغيان ثقافي، هذا ليس توصيفا مجردا، وليس يأسا من ثقافات الإحياء والتحديث والتنوير، بل تمثيل لواقعيات باتت أكثر عنفا في تمثيل علاقتنا بالآخر، وترسيم حدود صلاحية النظام العربي للاستقلال، أو المشاركة في عولمة الصناعات الثقافية.

يقول نظام مارديني “يأتي المشهد الثقافي إلينا اليوم ملتبسًا، بمعنى أنه محكوم في بنيته، بما ينتجه الآخر من فكر ومن ريادة، ما يجعل حالة الالتباس، لدى مثقفينا، تأخذ منحى السير في اتجاه إنتاج الآخر. الأمر الذي تسبّب بعدد من الإشكاليات التناقضية التي ساهمت بدورها في إضعاف حركة الثقافة القومية والاجتماعية ومحاصرتها”.

طبيعة الإشكاليات الثقافية ليست بعيدة عن الإشكاليات السياسية، ولا عن الخفايا الغائمة مثل “الهوية” و”الدولة” و”الأيديولوجيا” حتى بدت “القطيعة المعرفية” وكأنها لعبة لم تعد تُجيدها القوى الفاعلة، ولا حتى المؤسسات الرسمية المسؤولة عن إنتاج “ثقافات الدولة العربية”، لأن القطيعة تعني هنا العزل والتغييب وأوهام الهوية والنرجسية القومية والطائفية، والتي تحولت عند البعض إلى عنف أهلي، وإلى تدمير ممنهج لقيم التنوع الثقافي.

صار “موت اليسار العربي” قرينا بميتات غامضة، حيث موت “المثقف العضوي” و”المثقف النقدي” و”تحليل الخطاب” و”الكتلة التاريخية” وحيث “موت الحداثة” وبروز مشكلات من الصعب التعاطي النقدي معها مثل “مشكلة التلوّث البيئي وتغيّر المناخ، وانتشار الحروب وتطوير أسلحة الدمار الشامل ونهب خيرات العالم الثالث، ومشكلة تزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وازدواجية المعايير الدولية”.

هذه المشكلات الخارقة للمألوف الثقافي العربي، تحولت إلى عناصر ضغط، وإلى تحديات نقدية كبيرة، لم يشأ “المثقف الأدبي” التصدي لها لعجز أدواته، ولهامشيته في تمثيل تحولات النظام الثقافي المعقد في العالم، وطبيعة تحدياته، والتي يضاف إليها تضخم ظاهرة الإرهاب والكراهية، وغلو “المركزية الغربية” عبر مظاهر سياسية وهوياتية، تظهر في صعود اليمين المتطرف، ورفض القبول بالمهاجرين واللاجئين، ومن الأصول العربية والآسيوية وأصحاب البشرة السوداء، حتى بات الحديث عن موت “السرديات الكبرى” المعنية بالأفكار الكبرى مثل التقدم والعلم والاشتراكية والعقلانية وغيرها، إيذانا بولادة سرديات صغرى أكثر بشاعة، وأكثر عنفا.

ما يجمع هذه السرديات الصغرى هو “الريبة والعدمية والعبثية وضياع المعنى والتفكيكية والتعدّد اللامتناهي للتأويلات” كما يقول مارديني، في الوقت الذي وجد فيها مثقفونا أنفسهم في صراع مع “طواحين هواء” أخرى، طواحين الحكومات، والجماعات، والميليشيات والحركات المتطرفة، والعزل الثقافي، والأكاديميات المغلقة، والسياسات الثقافية المشوهة والمنابر التي تقودها رساميل غامضة.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي