loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الشعرُ كُلٌّ مُنسجمٌ: قراءة في المختارات الشعرية (معابد التيه) للشاعر غريب اسكندر

breakLine
2026-07-21

د. محمد صابر عبيد
ناقد | عراقي

 

(1)

قدّم "هوراس" وصايا للشعراء الذين يحتاجون إلى وصاياه، ما نصّه: (أكتبْ ما شئتَ أن تكتبَ، ما دام عملك كلٌّ منسجمٌ)، ولا شكّ في أنّ الشاعر الحقيقيّ لا يحتاج إلى وصايا غيره كي يدرك لحظة الانسجام الخالدة الخلّاقة في كلّ ما يكتب، ولا يدرك ذلك غير الشاعر الحقيقيّ حتماً، وحين تصل "الكتابة" إلى هذه اللحظة فبوسع الشاعر أن يكتب ما يشاء لأنّه ببساطة لن يكتب سوى الشعر، ولا أظنّ أنّ حديثاً في مثل هذا الموضوع بحاجة إلى أكثر من هذا التركيز الذي لا بدّ أن يُفهَم بدقّة، فالشعر اليوم قليلٌ والشعراء أقلّ بسبب تغيّر مفهوم الشعر؛ وثمّة كُسالى يتشبّثون بالسائد والمألوف والعادي داخل مساحة ضيّقة مريحة لهم؛ تخلو من الأسئلة وتحتشد بالبقايا التالفة التي يسهل اللعب بها.


(2)

لم أكن مرتاحاً كما يجب وأنا أغادر منزلي في "أنقرة" ليل 5 شباط 2024 لحضور مهرجان المربد في دورته الخامسة والثلاثين في البصرة، وذلك لأنّني لا أحبّ السفر ليلاً؛ فضلاً عن أنّي كنت أرغب بحجز آخر لا يمرّ بمطار إسطنبول "ترانزيت" لأسباب خاصّة، لكن اضطررتُ إلى قبول هذا الخيار في نهاية الأمر، ووصلتُ إلى مطار البصرة صباح يوم 6 شباط، وفي طريقنا إلى فندق "كراند ميلينيوم" حيث مقرّ إقامتنا التقيت الشاعر غريب إسكندر، وقد ذكّرني بلقاء سابق بيننا في الندوات المهمّة حول الأدب السريانيّ كان يقيمها الراحل المبدع سعدي المالح في أربيل قبل سنوات.

كلّ شيء في غريب إسكندر يؤكّد لمثلي أنّه شاعر، فللشعراء سَمْتُهُم العجيب الذي يدركه أقرانهم على الفور، وعلى الرغم من اللقاءات السريعة الخاطفة بيني وبينه في أيام المهرجان فقد توطّنَ هذا الـ"غريب" في أعماق محبتي، وكنتُ قرّرتُ أن أقرأه جيّداً لهذا السبب، فالمحبّة عندي جسر مهم وأكيد وأصيل من جسور النقد التي لم تخطئ في تجربتي أبداً، وحين وصلتني مختاراته الشعريّة "المخطوطة" التي تودّ دار الشؤون الثقافيّة العامّة في بغداد إصدارها تولّدتْ عندي الرغبة في كتابة هذه التحيّة النقديّة له، وهي فاتحة لأفق أوسع وأعمق وأخصب آمل أن يتحقّق في قابل الأيام.


(3)

قرأتُ المختارات بمحبّة واعتزمتُ كتابة ما يشبه "التقديم"، يتضمّن إضاءات لبقع أرجوانيّة شعريّة حاولتُ التقاطها من هذا البستان الكثيف المنيف، وقدّرتُ أن تنويرها بالطريقة التي أعتمدُها في مثل هذه المناسبات كفيلٌ بالكشف عن فرادة صوت الشاعر، ولا شكّ في أنّ هذه البقع الأرجوانيّة المأخوذة من مضانّها لا تكتفي بذاتها حين تُدرسُ التجربةُ دراسة نقديّة منهجيّة متكاملة، لكنّ شرط المحبّة هنا يتحرّك باتجاه التركيز على تنويرها بما ينسجم مع فضاء الوعي والوجد وإدراك أسرار اللغة، وما يعكسه هذا الفضاء من أقواس قزح تنتشر على مساحة "المختارات" بإطلالات لها طعمٌ ولونٌ ورائحةٌ؛ كي تجعل منها عرساً شعريّاً أكثر بهجة وفرحاً واحتفالاً.

لا بدّ لدالّ "البحر" أن يحضر بطاقاته الشعريّة الجبّارة بوصفه دالّاً أصيلاً في الذاكرة الإنسانيّة؛ يقابل الصحراء دائماً بوصفها علامة مركزيّة تنتمي إلى الفضاء الإنسانيّ والشعريّ العربيّ على نحو كونيّ وتأريخيّ خاصّ، لذا فإنّ الشاعر العربيّ يولع بالبحر عادةً في أوّل لقاء له معه حتماً، ويتصرّف به على مستوى التشبيه والتمثيل والحال والمثال والأنسنة والتشخيص والأسطرة وغير ذلك، وحين نلتقط هذه الإضاءة الشعريّة من مختارات غريب اسكندر سنجد أنّ دالّ "البحر" يمثّل كائناً شعريّاً به حالاته، وله رؤيته الخاصّة في تشكيل الأمكنة بانشطار ذاته وتحدّيها:

ابتعدَ البَحرُ أيضاً

ابتعدَ جَسَدُهُ

وبقيتْ روحُهُ 

تصرخُ كشاطئ مهجور!

يبدو في سياق اللقطة الشعريّة التعبيريّة أن شخصيّة البحر تتّخذ قرار الابتعاد في فضاء الصورة وكأنّها آخر حلقة في مسلسل الابتعاد "ابتعدَ البَحرُ أيضاً"، فمفردة "أيضاً" المصدريّة الحاليّة هنا تعني صلة مساواة حتماً؛ لكنّها تُخفي في طبقة من طبقاتها حساسيّة من الدهشة والاستغراب، تتضاعفُ في الدخول إلى الجوهر التشكيليّ للفعل "ابتعدَ" حين يقوم الفاعل المنظور بالعمل الأدائيّ وينجز مهمّة الابتعاد "ابتعدَ جَسَدُهُ"، على النحو الذي يشير إلى نوع الحركة الخارجيّة المنظورة ذات الطابع المؤنسن تمثيلاً لرؤية الحراك الشعريّ العام في المشهد، لأنّ مفردة "أيضاً" تحيل على كائنات أخرى سبق لها أن ابتعدتْ كي يلحقها البحر في نهاية المطاف بوصفه آخر المبتعِدين.

يحصل الانزياح التشكيليّ الهائل في اللقطة الشعريّة حين تستأنف الصورة عملها الفعليّ في الجملة الشعرية الموازية المعطوفة "وبقيتْ روحُهُ"، وهنا تنشطر ذات "البحر" بين "جسد" يبتعد ويتفاعل وينسجم مع حركة العام "الابتعاديّة"، و"روح" تتلبّث في المكان ولا تغادر "بقيتْ"، بكلّ ما تنفتح على صورة فعل البقاء من مرجعيّات وآفاق وصفيّة وحاليّة تمتدّ في فضاء المعنى بلا حدود، غير أنّ هذا البقاء سرعان ما يعلن عن هويّته في صورة تشبيهيّة يتعالى فيها الإيقاع إلى أعلى طبقة ممكنة "تصرخُ كشاطئ مهجور!"، فالفعل "تصرخُ" تحوّل فعاليّة الصوت الخاصّة بالروح إلى نداء مأساويّ شديد العمق والاستغاثة، وهو فعل مكتظّ بالانكسار والهزيمة لأنّ الروح بلا جسد تبقى عارية وناقصة قد تتحوّل إلى أثر.

من هنا يتجلّى نشاط الصورة التشبيهيّة "كشاطئ مهجور" داخل الرؤية التي يمكن استنتاجها من النعت "مهجور"، حين يتكثّف معنى الهجران والفقد والوحشة بما يصاحبه من خوف لا يجعل من هذا البقاء سوى شكل من أشكال الموت البطيء، فضلاً عن أنّ طاقة التشكيل الشعريّ يمنح مفردة "شاطئ" بُعداً روحياً ممكناً في بناء علاقة "مَتن البحر بشاطئه"، في نموذج هذه الثنائيّة الجدليّة وقد زحف إليها العمل الشعريّ كي يرتفع بها إلى مقامه وصيرورته وأدائه الكلاميّ المُنتِج.

ينحو الفضاء الشعريّ عند الشاعر نحواً سردياً ودراميّاً في كثير من مسارات تشكيله، وتحضر عناصر التشكيل السرديّ والدراميّ بأكملها داخل الحساسيّة الشعريّة الفاعلة في هذا المضمار، وإذا ما التقطنا هذه الحكاية الشعريّة من إحدى القصائد سنجد أنّ روح السرد والدراما حاضرة بقوّة في استدعاء التاريخ والأسطورة والمثال على نحو متحرّك وفاعل ومنتِج:

قلتُ له: سأروي لك حكاية 

عن غجرية اندلسية أكلتْها حيرةُ المدينة

ستطيبُ نفسك حتماً

وستعرفُ أنك لست الوحيد

 الذي يبتهجُ بأحلامهِ الميتة! 

ليس هذا اعترافاً خفياً

فالجميع سيتنازل يوماً ما 

عن هذه المسرّات الصغيرة.   

تبدأ جملة القول بالإحالة الفوريّة على نظام الكلام السرديّ "قلتُ له: سأروي لك حكاية"، وتحتشد في هذا السياق كثافة الراوي "قلتٌ/سأروي"، والمروي له "له/لك"، والمروي "حكاية"، ومن ثّم تنفتح الـ"حكاية" على عنصر الشخصيّة بوصفه العنصر الأهمّ فيها "عن غجرية اندلسية أكلتْها حيرةُ المدينة"، وقد قدّمتها الحكاية بغزارة سرديّة واضحة من حيث الصفة والمرجعيّة والصورة والرؤية والنموذج "غجرية أندلسية"، ومن حيث حالها السرديّة "أكلتْها حيرةُ المدينة" وهي تحيل على طبيعة المواجهة التاريخيّة مع "المدينة" في خضمّ الصورة الاستعاريّة القاسية "أكلتْها حيرةُ المدينة"، في إطار ضغط المعلومة الحكائيّة الاستباقيّة "سأروي"، لتوفير حالة سرد-دراميّة داخل الفضاء الشعريّ للصورة تقود إلى الاستقرار الذاتيّ "ستطيبُ نفسك حتماً" على الصعيد الروحيّ، فضلاً عن الاستقرار الموضوعيّ "وستعرفُ أنك لست الوحيد" في سياق المعرفة القادمة لفضّ اشتباك الذات مع الموضوع، ضمن الرؤية المتعلّقة بحركيّة الانفصال عن المحيط والابتهاج بالزائل والمنفي والعابر "الذي يبتهجُ بأحلامهِ الميتة!"، في غمرة التفاعل الخفيّ الحاصل في حركة الضمائر الشعريّة بين أنا الشاعر والآخر القناع.

تتمخّض الصورة السرد-دراميّة السابقة عن استكمال صورة المحكي الشعريّ وعزله تقريباً عن دائرة التواصل مع شعريّة اللحظة، والانتقال إلى موقعٍ آخر وجهةٍ أخرى لاستكمال بناء المشهد حين تحاول الذات الشاعرة الاستئثار بالظهور من زاوية مهمَلة "ليس هذا اعترافاً خفياً"، إذ إنّ نفي الاعتراف إنّما يأخذ من حالة الخفاء النعتيّ "خفياً" كثيراً من طاقته الشعريّة لجعل الحكاية -قدر الإمكان- بعيدة عن تجربة الذات، على الرغم من أنّها في جوهرها ذاتيّة محض.

تنتهي الرؤية الشعريّة في النسق المضمَر منها إلى ما يشبه الحكمة الجديدة خارج إطار حركيّة الذات "فالجميع سيتنازل يوماً ما/عن هذه المسرّات الصغيرة"، ولا شكّ في أنّ التنازل عن هذه المسرّات الصغيرة إنّما يعني كسراً لأفق الحياة في الطبقة الأكثر لذّة، لأنّ المفهوم الجوهريّ للحياة لا يتعدّى هذه المسرّات الصغيرة التي تلتمع في ذاتها التماعات لا تُعوّض، ويا له من قَدَرٍ ضاربٍ في الكآبة والحزن حين يضطرّ الجميعُ التنازلَ عن هذه المسرّات الصغيرة؛ لصالح تلك الحكاية وهي تخرج بعد أن تخلو من مسرّاتها الصغيرة نحو العلن بأحلام ميتة، وستنتهي الذات إلى مواجهة نفسها بلا وسائط ولا أسباب موجِبة ولا مسرّات صغيرة حالها حال الجميع، وتفقد بذلك خصوصيّتها من الجهات كلّها بلا قناع يحفظ هيبتها.

يشتغل الشاعر على لعبة الضمائر داخل سياق يتحوّل الظلُّ فيه إلى عرّاف قادر على وصف الغامض وإخراجه نحو فضاء المعرفة:

قال لي ظِلّي:

لا فرقَ بينك وبينها 

هي أنتَ، وأنتَ هي،

كلاكما مأثرةٌ منسية

اسمٌ لا لونَ له

بِشارةٌ صامتة

وجُرُحٌ يتصبَّبُ كخَطايا قديمة 

يتحرّك الفعل السرديّ الحكائيّ "قال" في نسق المحكي الشعريّ فاتحاً أفقاً من الكلام المخصوص والمقصود باتجاه الراوي الذاتيّ الشعريّ "لي" كي يكون هنا مرويّاً له، وبعد أن يُفصح عن هويّة الراوي "القائل" في شكله ونوعه ونموذجه "ظِلّي:" تكتسب الصورة الحكائيّة شعريّتها التشخيصيّة، حين يكون الظلّ راوياً والذات الشاعرة مرويّاً له، بانتظار طبيعة المروي بين راوٍ وهميّ يستقطب المكان والزمن إلى ساحته، ومرويّ له يلعب دور ناقل الرواية والمروي له في آن.

ينفتح المقول الشعريّ على صورة المروي حين تقفز شخصيّة الظلّ إلى وجهة المحكي الشعريّ وتتسيّد المشهد، وتلقي أوّل إشراقة صوفيّة موجّهة نحو الذات الشاعرة "لا فرقَ بينك وبينها/هي أنتَ، وأنتَ هي"، داخل تكوين اندماجيّ هائل يتّحد فيه الضميران اتحاداً مطلقاً "هي-أنت/أنت-هي" بكلّ ما ينطوي عليه من إحالات عشقيّة إيروسيّة وصوفيّة وأسطوريّة وتاريخيّة وزمنيّة ومكانيّة، تنتهي إلى كيان له حضور تاريخيّ فاعل لكنّه مهمل في زاوية منسيّة من زوايا الزمن "كلاكما مأثرةٌ منسية"، بلا اسم يمكن تمييزه بلون معيّن قابل للنظر والمعاينة والتحديد "اسمٌ لا لونَ له"، على الرغم من أنّها تحمل في أنساقها المضمَرة ما يمكن أن يُلمح فيه بؤرة أمل "بِشارةٌ صامتة"، لأنّ السيرة الذاتيّة لهذا الكيان الضميريّ المشترَك "وجُرُحٌ يتصبَّبُ" مرتهن بصورة تشبيهيّة تحيل على تجربة الإنسان داخل فضاء تختلط فيه الأسطورة بالتاريخ بالدين بالزمن على نحو لا تنقطع "كخَطايا قديمة"، بما تتكشّف عنه مفردة "خطايا" بصورتها الجمعيّة المنكّرة؛ وما تحيل عليه الصفة "قديمة" من عمق بشريّ بلا حدود. 

تنتقي قصيدة الشاعر غريب إسكندر ثيمات منتخَبة بعناية تحوّلها إلى شخصيّات شعريّة لها خصوصيّات تشكيليّة وتعبيريّة وتصويريّة، وغالباً ما تكون هذه الشخصيّة شخصيّة أنويّة تعكس صورة الذات الشاعرة داخل المحكي الشعريّ:

تكلم عني

أنا الأعمى

لم أرَ كلَّ شيء

رأيت فقط الالوانَ التي 

تشيرُ الى الألم.

تظهر شخصيّة "الأعمى" ضمن سياق تشكيليّ حكائيّ "تكلم عني"، تبرّر الحضور شبه الاعترافيّ على لسان الراوي الذاتيّ الشعريّ "أنا الأعمى"، ينفي فيه هذا الراوي رؤية كلّ شيء "لم أرَ كلَّ شيء" في مفارقة مدهشة تجعل من صفة "الأعمى" ذات طبيعة رمزيّة، إذ بما أنّها لم ترَ كلّ شيء -كما كان ينبغي لها أن تفعل- فهي عمياء بلا شكّ.

تلحق هذه الصورة الكليّة صورة أخرى أكثر تحديداً في سياق تركيز مجال الرؤية على نحو معيّن "رأيت فقط الالوانَ التي تشيرُ الى الألم"، فالفعل الأنويّ "رأيت" تنفي صفة "الأعمى" تماماً من حيث وعي ضرورات التشكيل الصوريّ العام في المشهد، ومن ثمّ يأتي اقتصار الرؤية على تلك الألوان الخاصّة التي تشير إلى الألم كناية عن إظهار النسق المضمَر من أنساق الصورة، وهو في حالة صراع مع النسق المضاد للحصول على مبادرة العلامة السيميائيّة الحاوية لجدل هذه المعادلة، فالأعمى لا يرى أيّ شيء، لكنّ أعمى القصيدة لا يرى كلّ شيء، وما يراه الألوان فقط تلك التي تشير إلى الألم، بمعنى إهمال الألوان الأساسيّة التي تشير إلى الفرح ومحوها من ذاكرة الرؤية في القصيدة.

تؤدّي الأنا الشاعرة أدواراً عديدة داخل الفضاء الشعريّ في القصيدة بوصفها الأداة الشعريّة الأقرب والأكثر تداولاً في التشكيل، إذ إنّ ظهور الأنا الشاعرة على نحو صريح ومقصود له دلالته وقيمته في رسم الصورة العامة للقصيدة، من حيث الإشارة ومجال الحراك الشعريّ المخصّص لها، ونوعية المساحة التي يمكن أن تتحرّك بها:

أنا وحدي

كنتُ أجوبُ

خيوط الفجر

ترتقي هذه الصورة الشعريّة الموجَزة فضاء التشكيل بخطوات متوازنة مع كلّ دالّ من دوالها، وتبدأ مع ضمير الأنا الصريح "أنا" في نسق إعلانيّ يأخذ مداه كاملاً بلا حدود، لتتضاعف طاقة الأنويّة في الدالّ الحاليّ الإضافيّ "وحدي" فتزيح الأنا أيّ احتمال ممكن لوجود آخر في المشهد، وبعد هذا الاستقرار التشكيليّ لوحدة الأنا وهيمنتها على مقدّرات الصورة يكون بوسعها الانتقال نحو مسار حكائيّ آخر داخل الصورة، ليكون هذا المسار استرجاعيّاً بوساطة الدالّ الفعليّ "كنت" متّكئاً على الحركيّة الدائريّة للفعل "أجوبُ"، بما يحمله هذا الفعل من طاقة تحيل على أعلى قدر من الحركة والتفاعل مع المكان والزمن، غير أنّ صورة المفعول "خيوط الفجر" تحوّل حركة الفعل نحو فضاء رمزيّ يبحث عن آليّة الابتداء، لأنّ "خيوط الفجر" هي خيوط زائلة ولا تمنح كثيراً من الوقت لأجل التقاطها والتفاعل معها، على النحو الذي يجعل حركة الفعل أشبه بأداء وهميّ يتلاءم مع معنى وحدة الأنا.

تعمل اللغة الشعريّة في الخطاب الشعريّ الحديث بطريقة مراوِغة تنفي وتثبِت وتُلغي وتُوجِد وتُبعِد وتقرّب في آن، لتشكّل في نهاية المطاف لحظة شعريّة خاطفة تتراكب فيها الأنساق وتتّحد وتتصارع ضمن رؤية شعريّة عامّة وخاصّة معاً:

لا شيء

سوى أنهم 

هناك

بعيداً ينامون على وسائد من دم ودموع.

تعتمد آلة التصوير الشعريّ في هذه اللقطة الشعريّة على إزاحة مسار لأجل إثبات مسار آخر، فتبدأ اللقطة بالنفي الكليّ "لا شيء" على طريق تنظيف الساحة الشعريّة من الوجود الشيئيّ المحتمَل، تعقبها مباشرة أداة الاستثناء "سوى" كي تكون هناك فسحة شيئيّة تُوجِد ما يمكن رؤيته وتصويره "أنهم هناك"، على شكل شخصيّات جمعيّة يحلّون في المكان البعيد نسبياً كما يشير الظرف المكانيّ "هناك"، ومن ثمّ يتأكّد هذا البُعد في الحال "بعيداً" للإشارة إلى أنّ ما يمكن أن تلتقطه عدسة كاميرا الراوي قد لا يكون حاسماً؛ بل قد يرسم صورة مختصَرة يحرّكها الإحساس أكثر ممّا تحرّكها العين الرائية "ينامون على وسائد من دم ودموع"، ففعل النوم الجماعيّ "ينامون" يأتي إلى عدسة الكاميرا مقروناً برؤية وجدانيّة وعاطفيّة مقدّرة "وسائد من دم ودموع"، تعبيراً عن الحالة التي يجد المصوِّر أنّها قد تكون في ظلّ الحساسيّة الشعريّة المرهفة التي تسير فيها لغة القصيدة الولود.

إنّ حركيّة اللغة الشعريّة في هذه المختارات "معابد التيه" للشاعر غريب إسكندر لا تخضع لنسق معيّن في تشكيل رؤيتها وخطابها، إنّما تنفتح على أنساق مختلفة؛ بعضها يقوم على التضادّ والصراع، وآخر يقوم على التماثل والتوازي والتفاعل، لذا تحاول آلة الشعر في هذه التجربة أن تتفلّت من كلّ ما يمكن أن يقلّل من زخم العودة إلى مصارد ومراجع عديدة، كي تتزوّد منها اللغة الشعريّة بما هو ممكن ومتاح وضرويّ للاندفاع نحو أفق شعريّ مغاير، لا شكّ في أنّه يحتاج إلى مزيد من الصبر والأناة والتركيز والاستعانة بالرؤية والرؤيا؛ وذلك للانتقال من ضرورات الموضوع إلى سيمياء الخطاب، ومن الاسترجاع السرد-دراميّ الشعريّ إلى ابتكار الحالة الشعريّة ودفعها إلى أقصى حدود التعبير والتشكيل.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي