مقالات ادبية واجتماعية وفنية
سيد كاظم القريشي/كاتب إيراني
كانت رسالة عبود أقصر مما توقعت. ثلاث صفحات فقط. ورق رخيص اصفرّت أطرافه. وحبر أزرق بهت بعضه وبقي بعضه الآخر يقاوم الزمن بعناد. قرأت الرسالة مرة. ثم أعدت قراءتها. وفي المرة الثالثة لم أكن أقرأ الكلمات، بل أقرأ ما وراء الكلمات. ذلك ما تعلمته من السنوات. فالناس لا يكتبون ما يريدون قوله دائماً. بل يكتبون ما يستطيعون قوله. أما ما يعجزون عن قوله فيبقى مختبئاً بين السطور. وضعت الرسالة فوق الطاولة. كان المساء قد بدأ يهبط على النافذة. وأخذت أتأمل اسم عبود المكتوب في آخر الصفحة. لم أفكر فيه منذ زمن طويل.
تذكرت ضحكته. وطريقته في الجلوس فوق الرصيف. وصوته وهو يصرخ عندما يخسر مباراة الشطرنج. كان يعتقد دائماً أن الحياة مدينة صغيرة يمكن فهمها بسهولة. أما أنا فكنت أراها متاهة. لهذا كنا صديقين. كل واحد منا كان يبحث عند الآخر عن النصف الذي ينقصه.
في الرسالة كتب:
"من دونك لا أجد رغبة في الذهاب إلى بيت جدتك، ومنذ بداية رمضان لم ألعب الشطرنج."
توقفت عند هذه الجملة. بدا الأمر بسيطاً. مجرد حديث عابر بين صديقين. لكنني أدركت الآن أن الشطرنج لم يكن المقصود. ولم تكن زيارة بيت الجدة هي المقصودة أيضاً. ما كان يقصده عبود هو الغياب. الفراغ الذي يتركه شخص حين يرحل. ذلك الفراغ الذي لا يراه أحد. لكنه يغيّر ترتيب الأشياء كلها.
في ذلك الوقت الذي كنت أقضي خدمتي العسكرية، كنت أخدم في مدينة أخرى. أستيقظ قبل الفجر. أرتدي بزتي العسكرية. وأقف في الطابور مثل عشرات الشبان الذين اقتلعتهم الخدمة من حياتهم السابقة.
كنا متشابهين من الخارج. الرؤوس نفسها. الأحذية نفسها. الأوامر نفسها. لكن كل واحد منا كان يحمل عالماً مختلفاً داخله. كنت أنظر أحياناً إلى الجنود الواقفين بجانبي وأفكر:
من نحن؟
وهل يمكن للبشر أن يتحولوا إلى أرقام بسهولة؟ كان الضابط ينادي الأسماء. ثم تتحول الأسماء إلى أصوات. وتتحول الأصوات إلى أوامر.
لكن أحداً لم يكن يسأل عن القصص التي تختبئ خلف تلك الأسماء. في الليل كنت أجلس أحياناً قرب سور المعسكر. أنظر إلى الأضواء البعيدة. وأفكر في المدينة التي تركتها خلفي. في الأزقة. في نهر كارون. في بيت جدتي. وفي رقعة الشطرنج التي ربما ما زالت موضوعة فوق الطاولة.
كنت أشعر أنني أعيش بين عالمين. العالم الذي أنا فيه. والعالم الذي غادرته. ولم أكن أنتمي تماماً إلى أي منهما. ربما لهذا السبب احتفظت بالرسائل كلها. كنت أخاف أن أفقد الخيط الأخير الذي يربطني بنفسي القديمة.
في إحدى الليالي سألني جندي من عبادان:
ـ ماذا تقرأ كل ليلة؟
أغلقت الرسالة ببطء.
وقلت:
ـ أقرأ البيت الذي تركته.
ضحك. ظن أنني أمزح. لكنني لم أكن أمزح.
كانت الرسائل بيوتاً صغيرة. كل رسالة نافذة. وكل سطر شارع. وكل اسم باب.
في رسالة عبود ظهرت أسماء كثيرة. أمه، سلوى، تاجية وآخرون.
ثم أردف :
ـ ميعاد الصغيرة باتت تزعجني و أنا أكتب إليك
صديقي هذا كان يعيش في عائلة كبيرة و مزدحمة كما الآخرون آنذاك. بعضهم أتذكره جيداً. وبعضهم صار غامضاً في ذاكرتي مثل صورة قديمة أكلتها الشمس. لكن شيئاً واحداً بقي واضحاً. الجميع كانوا يرسلون السلام. وكأن السلام نفسه كان وسيلة لمقاومة الغياب. ثم جاءت الفقرة الخاصة بالانتخابات.
ضحكت عندما قرأتها.
لم يتغير البشر كثيراً. كانت الحماسة نفسها. والوعود نفسها. والأمل نفسه في أن يأتي شخص ما ويغير العالم. كتب عبود أن الجميع يريدون مساعدة أخي للحصول على فرصة عمل. وأنهم مستعدون لدعمه.
ثم أضاف ساخراً أنهم ربما يحصلون في المقابل على شيء من "هؤلاء السفلة". ضحكت مرة أخرى. لكنني شعرت بالحزن أيضاً. فالإنسان، منذ آلاف السنين، يواصل تعليق آماله على الآخرين. كأنه لا يكف عن البحث عمن يمنحه المعنى.
في تلك السنوات كنت أقرأ كثيراً. أقرأ أكثر مما ينبغي ربما. كنت أبحث في الكتب عن إجابات. عن معنى الوجود. عن الحرية. عن المصير. عن ذلك الشعور الغريب الذي يلازم الإنسان حين يدرك أنه وحيد في مواجهة الزمن.
كنت أقرأ الروايات ليلاً. وأحمل البندقية نهاراً. ولم أكن أعرف أي العالمين أكثر حقيقة. عالم الأفكار أم عالم العروض العسكرية والسلاح.
في نهاية الرسالة كتب عبود:
"الحياة هنا لا تطيب. سئمت من هذا التكرار. لم تعد لي رغبة في الدراسة."
توقفت عند العبارة طويلاً. شعرت كأنها ليست جملته وحده. كانت جملة جيل كامل. جيل خرج من الحروب ليدخل الانتظار. ومن الخوف ليدخل الملل. ومن الأحلام الكبيرة إلى الأيام المتشابهة.
فكرت أن عبود لم يكن يشكو من الدراسة. ولا من المدينة. ولا من الروتين. كان يشكو من شيء أعمق. كان يشكو من ذلك السؤال الذي يوقظ الإنسان فجأة:
ـ وماذا بعد؟
ماذا بعد المدرسة؟ وماذا بعد الخدمة العسكرية؟ وماذا بعد العمل وماذا بعد العمر كله؟
أغلقت الرسالة. ورفعت رأسي. كانت الغرفة صامتة. والليل قد اكتمل خارج النافذة. نظرت إلى الرسائل المكدسة أمامي. شعرت أنها لم تعد رسائل. لقد تحولت إلى مرايا. كل رسالة تعكس وجهاً قديماً لي. كل رسالة تعيد إليّ نسخة من نفسي كنت أظن أنها ماتت. عندها فقط أدركت شيئاً لم أفهمه يوم وصلت تلك الرسائل. لم يكن عبود يكتب إليّ وحدي. ولم يكن حمدان يكتب إليّ وحدي. كانا يكتبان إلى الرجل الذي سأصبحه بعد خمسة وثلاثين عاماً. الرجل الذي سيجلس في غرفة مليئة بالغبار. ويحاول أن يفهم كيف عبرت حياته بهذه السرعة. وكيف تحولت أسماء الأصدقاء إلى رسائل. وكيف تحولت الرسائل إلى رواية. رواية لا تتحدث عن الماضي. بل عن الإنسان وهو يحاول أن يعثر على نفسه بين ما عاشه وما فقده.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي