مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إسماعيل إبراهيم عبد
ناقد | عراقي
في بدء الدخول في موضوعة الثقافة والقص والتداول وعلاقتها بالمجتمع من الواجب الإشارة أولاً الى الطبقات الاجتماعية، التي تنمو (بينها) الطبقات الثقافية. وكذلك البيئة التي تخص انتشاراً أو انحساراً للثقافة القصصية. سنتدرج في هذا الموضوع بنوع من حرية التبويب تحقيقاً لهدف توصيف وتوصيل فكرة التداول الثقافي للقص. فكثيراً ما تدرس الطبقات الاجتماعية على أساس التقسيم الاقتصادي. أي طبقات التخلف الاقتصادي وطبقات التقدم المادي الصناعي. من أمثال أولئك الدارسين أوكبرين.
هناك من يقسم الطبقات الى مجتمعات (ميكانيكية) بسيطة غير متخصصة، ومجتمعات عضوية معقدة تعتمد على (تقسيم العمل) والتخصص. من أوائل الدارسين لهذا التقسيم أميل دوركهايم، الذي يقارب اوكبرين في طروحاته؛ قسم الطبقات الاجتماعية الى؛ طبقة التلكؤ الحضاري المادية، وطبقة الحضارة غير المادية، وطبقة الآلات الإنتاجية الأكثر كفاءة. لكن ماكس فيبر قسمها الى طبقات ذات صفات مختلفة من حيث العوامل الاجتماعية، والثقافية والاقتصادية. وبيّن صفات كل طبقة بحسب ما ينقله دنيس كوش. لقد وصف الطبقة العاملة بأنها طبقة تحددها علاقات الانتاج وطبيعة الشغل العمالي، وأشكال الاستهلاك العمالية. وأُكملُ هذا التوصيف بالقول: انها نمط يعيش في الطبقات الشعبية، وانها طبقة الفقراء وثقافتها هي ثقافة الفقير. ويرى فيبر بأن الطبقة الثانية، هي أولى طبقات المقاولين الرأسماليين والذين يوصفون بـ(بروستانيين طهرويين). ويلخص سلوكهم بـ"رغبة الرأسمالي في مراكمة الثروات ورفضه التمتع بها". أما الطبقة الأخرى فهي الطبقة البرجوازية المميزة ببعض الصفات الخاصة بنوعها ووسيلة عيشها، تلخص سلوكها الباحثة ندين ليا تريكس لوفيتابـ"طبقة العناية المنصرفة الى التفاصيل، كالعناية بالهندام، والأشياء الصغيرة. ثم ضبط النفس والزهد. ثم. أشعرة ممارسات الحياة اليومية. ثم. آداب خاصة بالمائدة. وصيانة ذاكرة نَسَبيّة عائلية". يلاحظ على هذه التصانيف أنها استندت الى النشاط المادي الاقتصادي بالدرجة الأولى مهملة السلوك الجمعي، السلوك الثقافي، التماسك أو التغير الاجتماعي، الرتبة والمكانة. وغيرها. لتلك العلاقات المهملة أهمية في الترسيم الطبقي للمجتمع. ونرى أن الاعتماد على البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ودرجة التماسك بينها، هي الفكرة الأقرب الى اتجاهنا في معرفة البيئة الثقافية (الاجتماعية/ الأدبية)؛ لذا يمكن تقسيم الطبقات وفق المنظور المنوّه عنه أعلاه الى: (طبقة المجتمعات الفطرية البدائية، وطبقة المهنيين، وطبقة الإداريين، وطبقة رؤساء المؤسسات). مثلما يُرى فمن السهل التعرف على مظاهر السلوك الاجتماعي والثقافي لهذه الطبقات وبالتالي من السهل دراسة عائديتها الإنتاجية اما الطبقات الثقافية، مثلاً؛ يرى باستيد ان"لا يمكن اختزال ظواهر المجتمع بطبقة بما فيهم طبقة المثقفين بخطر اختزال الظواهر الاجتماعية الى ظواهر ثقافية. وعلى العكس، يكمن الخطر في اختزال الظواهر الثقافية الى ظواهر اجتماعية". لكننا نرى ثمة تشابه حتى في التصنيف الطبقي فماكس فيبر يرى ترابطاً مميزاً بين الطبقة وثقافتها. لكن مهمتنا هنا تقتضي تقصي الطبقة الثقافية بمعزل عن الطبقة الاجتماعية موقتاً، فحيثما وجدت طبقة وجدت ثقافة وحيثما وجدت ثقافة وجدت طبقة. لكن ثقافة طبقة (ما) لا تساوي طبقة ثقافية (ما) بشكل مطلق، فمثلاً ثقافة الطبقة العاملة هي ليست (الثقافة العمالية)، لان الثقافة نموذج والعمل سلوك عام. هذا نفسه يجتذب المعتقد السائد وهو: أن الأدب ثقافة لاطبقية. ان ذلك غير دقيق ومضلل، لان الثقافة، وبعيداً عن الطبقات الاجتماعية، تتميز بميزات ذاتية وتتنوع بأصنافها وأهميتها. (هناك ثقافة أدب علمي، وثقافة أدب إنساني، وثقافة أدب فني، وثقافة معرفة عامة. وهناك طبقة المبدعين الكبار، ومتوسطي الإبداع، وقليلي الإبداع. وهناك طبقة المثقفين المشهورين جداً، ومتوسطي الشهرة، والمغمورين).
▪︎قد يُحال التصنيف على أساس الانتاج فتتشكل طبقات من/ المنتجين من الطراز الممتاز، دون شهرة مميزة، ومنتجين متوسطي المستوى ذوي شهرة ممتازة، ومنتجين متوسطي أو قليلي الشهرة.
▪︎أن من مجمل هؤلاء تتوالد طبقات من داخل الثقافة الواحدة، الأدبية أو غيرها. فضلا عما يُصَنَّع من الشهرة والإعلام والإمكانيات الخاصة وما تسمح به فرص الصدفة. المصنعون للطبقات هم من يشكلون خارطة طبقية ثقافية خطيرة. ومن الناحية الميدانية يحتاج العمل الفني الى خبرات ليتطور وكذلك العمل الإعلامي؛ النوعان يحتاجان الى فنيين وتقنيين ماهرين ليثبتوا قدرتهم على المنافسة في الإمكانيات الفنية، والتقنية، والادارية، والمالية؛ كي يضمنوا النجاح والربح في آن واحد، مما يجعل الطبقة الثقافية تتوازن بشكل سلبي مع فرص العمل والتخصص، وهكذا. ومن المؤكد وجود احتالافات كثيرة بين الطبقات الثقافية. أمثلة ذلك؛ (اختلاف القابليات العقلية بين المثقفين. اختلاف الإمكانيات الشخصية المتعلقة بالتركيب النفسي وقوة التأثير والثبات للفرد أو الأفراد المثقفين. تنوع بيئات النشأة الاجتماعية وشروط ديمومتها البنائية. توفر أو انحسار فرص التأهيل الثقافي من حيث التعلم والوظيفة والمكانة الثقافية ضمن المؤسسات الثقافية الواحدة).
بموجب العوامل السابقة يمكن تقسيم المجتمع الثقافي الأدبي في بلادنا على النحو الآتي: (مثقفو السلطة: هم سياسيون وأدباء ومروّجو ايديولوجيا. مثقفو المؤسسات: هم أعضاء الاتحادات والجمعيات ووجهاء إعلام مجلس النواب. مثقفو المقاهي: هم الأدباء المهمشون والصحفيون والمنعزلون والمستقلون؛ هذه الطبقة (أدباء المقاهي) هم أكثر الطبقات انتاجاً وأكثرهم تأثيراً في التكوينات الاجتماعية – خارج تصنيف الطبقات الثقافية – لعدة أسباب منها:
1–ان التشكيل الطبقي يجعل الاتصال بالطبقات الشعبية (الشغيلة والكادحة) طبيعياً وبسيطاً ومحققاً للآليات التداولية.
2– إنهم من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، لهم جمهور صاغ بشكل دائم، كما أن لعب التسويق الكلامي جاهزة لديهم لو أرادوا استغلالها لصالحهم.
3–فيهم نوابغ ُكثُر وحالما تتاح أية فرصة حقيقة للعمل الملائم سيبزون الآخرين بجديتهم وذكائهم.
4– ان معظمهم فقراء ومنقطعين عن الوظائف الحكومية، لا يمارسون سوى الكتابة اللا مجدية في كثير من الأحيان، لكنها كتابة العباقرة.
5–هم منتجو ثقافة المستقبل يستشرفون تأسيس ثقافة جديدة بكل معطياتها من آليات واتجاهات.
6–هم شريحة القُرّاء الحقيقيين، يتابعون بشغف كل جديد في ثقافات العالم.
7–انهم الأقرب في نقل الأفكار من العالم المتقدم الى جماهير الشغيلة مثلاً.
▪︎تتميز طبقة مثقفي السلطة بان: (تغلب على مظهرهم الأناقة واللياقة واللباقة الشفاهية في التحدث الى الآخرين. يمتازون بالجرأة في اتحاذ المواقف وتبرير الخاص منها بالسلطة، سواء كانت حكومة أم برلمان أم رئاسة. هم مثقفون وأدباء وضعوا جُلّ إمكانياتهم في خدمة مشروعات الفكر الساند للسلطة، بما يحقق طموح: تحويل ثقافة المجتمع من ثقافة الإبداع الأدبي والتقني الى ثقافة التبعية الممنهجة لأعلام السلطة الحكومية).
▪︎تتميز طبقة أدباء المؤسسات الثقافية بـ: ((يؤمنون بصورة مطلقة بصلاحية الليبرالية الجديدة لقيادة المجتمعات. يشيعون فكر الحداثة الذي يلائم الاتجاه الليبرالي. يحاولون بكل ما يمتلكون من قابليات ؛ إرساء قيم (حرية الاعلام)، (حرية البث الفضائي)، (حرية التأليف)، (حرية اظهار الهويات صغيرها وكبيرها، جيدها ورديئها). يمتازون برداءة انتاجهم، فهم ليسوا منتجين جيدين ، وانهم سينحازون لاحقا لصالح طبقة مثقفي السلطة لتقارب أهدافهم ومنافعهم معهم. وقد يداهنون أولئك ليستأثروا بإدارة المؤسسات الإعلامية والثقافية المتواجدين فيها أو المؤسسات الأخرى التي تحقق لهم منافعا أكبر. شكلهم ومظهرهم العام يمتاز بالنمط من الأناقة واللياقة واللباقة المميزة لمثقفي السلطة)).
الخلل الطبقي عندنا يشمل جميع قضايا توزيع الوظائف الإنسانية والتقنية والفنية والإبداعية. ربما لأننا لم نستكشف الحل بعد وربما (لأننا نجهل عقلنا)، كما يقربه لنا د. نبيل علي في كتابه "العقل العربي ومجتمع المعرفة".
لنتحلى بشيء من التخصيص فنتناول طبقات القص وعلاقتها بالقصاصين، عليه نقول: أننا لا يمكن أن نميز طبقات قصصية إلا من ناحية فنية، قد يكون هيكل هذا التميز ثلاثي العناصر أي "زمان، مكان، لغة". وعليه سنهيكل فكرة الطبقة على اساس نظام تراتبي على وفقة الرؤية الآتية: الطبقة الأُولى؛ الحكائين: ان الحكاية والأسطورة أول موارد فنون القص على المستوى الشعبي، لما قبل مجتمع الطبقات الحديثة. ثم ان الحكاية على يد حكاّئين متخصصين كانت مرحلة متطورة عن تلك التي سبقتها. ومن مهم هاتين المرحلتين وجود طبقات قصصية؛ كل طبقة تمثل مستوى معيناً من السردية (الزمانية، المكانية، اللغوية). وبمعنى من المعاني، المكان الثري بحضارته القديمة ثري بقصصه. كما أن الزمان المؤكد على زمنيته هو زمن حكاية حصوت بأبطال قوم (ما)، تتقيد بزمن الأسلاف الماضين، ومن النادر ان يذكر القصاصون شيئاً عن المستقبل إلا من باب الوصايا والنصائح والحِكم. وفي التصنيف الطبقي ـ كما أرى ـ سيمثل قصاصو هذا النمط مستوى السرد بطبقته الدنيا، وهم صنف من قصاصي المناطق الريفية. ان قص هؤلاء يرتبط بالكادحين قديماً وحديثاً. إنهم الحكاؤون الشعبيون، يمارسون الحكي القصصي في بعض مناطق الوطن العربي – حالياً – وبعض مناطق آسيا وإفريقيا كما يذكره وينقله عدد من الباحثين والعاملين في القنوات الفضائية، وبرامج الإعلام المسموع. ومن المؤسف انه لم يُحْسَن التعامل مع هؤلاء بل يُقِدَّموا كتراث متحفي لا كظاهرة اجتماعية يمكن دراستها وإرساء ثبوتها ليتاح للقص المنظم المفنن ان يدخل إليهم، ولربما سيبرعون فيه كبراعة مؤلفيه.
–الطبقة الثانية: قصاصو القص الفني: ويعد القص المنظم هذا سبباً بوجود أدباء الفن القائم على أسس التناغم والانسجام والتكامل والتزامن في صياغة السرد الحدثي أو الأفعال اللا حداثية السردية أحياناً، الذي تستهدفه الدراسات السردية عموماً. ومن البديهي لهذا النمط ان يحتوي على عدة طبقات تتلاءم مع تقسيمات اجتماعية للقصاصين. الميزة التي يفترق بها قصاصو السرد الفني عن مجتمعهم هي القدرة على اختراق هذه الخلائط الطبقية الاجتماعية او الفنية او الإدارية. ولن يتقيد هؤلاء بطبقة نموذجية. يكاد أن يختص بهذه الطبقة ذوو الجوائز العالمية والإقليمية المهمة. وهم كطبقة مبدعين لقص استثنائي يمثلون التغيير المهم لمسار تاريخ القص من الناحية الصياغية والتكنيكية. ومن حيث التعامل مع الزمان والمكان والحدث واللغة فهم قد لا تجمعهم طبقة معينة على أساس التقارب النموذجي، انما تجمعهم الرؤى المستقبلية، والتجديد الذي يتم على أيديهم، من حيث الموضوعات والأشكال الإبداعية. كما ان فتوحاتهم ستحفز الآخرين على الجد والاجتهاد وتحطيم الحدود المؤقتة بين الإبداع الكبير والعقول الثرية به، تلك الحدود التي يفخّمها الاعلام بشكل زخرفي لاستغلالها سياسياً أو ايديولوجياً.
–الطبقة الثالثة: قصاصو الطفولة والأُمومة: إذ يتقصد أصحابها توجيه أدبهم الى الأطفال ورعاية الامومة والشغيلة وأفراد التذوق الحر، إضافة الى رعاية العاطلين والقراء المتخصصين. وهم الأقرب الى "قص النسوية" والقصاصين كقصصهم؛ عفويون فطريون منضبطون، متقنون لآليات الاشتغال؛ تزدحم أسماؤهم على صفحات الجرائد الثقافية – لكونهم مثقفين – وعلى الصفحات الثقافية للجرائد غير المتخصصة – لكونهم صحفيين. كما ان نشاطهم يغطي أماكن مهمة للمجلات المحلية والإقليمية. وينشطون بدرجة متفاوتة على شبكات الاتصال العالمية (الانترنت). هم الآن يمثلون طبقة عريضة جداً بحساب الانتشار الشبكي الحر، وهم منافسون جدييون لجميع المثقفين المهنيين. وستكون لهم الغلبة الانتاجية النوعية والكمية مستقبلا، غلبة على جميع مستويات؛ الاجتماعية والادارية والفنية.
–الطبقة الرابعة: قصاصو الانترنت: مع التحفظ على هذه التسمية – سيشكلون طبقة القص الجديدة والأحدث والأكثر مهارة. ومن المؤسف أنهم لم يخضعوا لدراسات إحصائية جديّة، مما يجعل حصرهم بطبقة أمراً غير دقيق. من المهم أن نذكر بأنهم – على حد يقين د. سعيد يقطين – في كتابه النص المترابط، سيكونون عماد التغير الفني والتقني في بلداننا من الآن والى المستقبل.
▪︎هناك ظاهرة قد تلخص جهدنا – يشير إليها الباحث الاجتماعي بورديو، يسميها (الهابيتوس). ويقصد بها" انساق من الاستعدادات المستدامة والقابلة للنقل. انها بنية مبنينة، قابلة، مسبقاً، للاشتغال بوصفها بنى مبنينة. أي باعتبارها مبادئ مولدة ومنظمة لممارسات وتمثلات يمكن لها ، موضوعياً، ان تتأقلم مع هدفها دون افتراض رؤية واعية للغايات والتحكم الصريح في العمليات الضرورية من أجل بلوغها".
▪︎هذا التنميط الطبقي يمكن ان يستكمل شروطه في النظام الشبكي للقص فيقدم الى العالم بنى حضارية فاعلة بلا وصاية، مغيّرة دون فرض وعي (ما) على جمهور القرّاء. أي ان يُقدَّم القصُ وفق منفعة ووضوح استخدام قدح الماء أو شطيرة الجبن، أوفنجان القهوة من جنبة التلقي. أما من جنبة البنيان التقني فسيختصون بلغة خاصة من جنبة الموضوع والبناء الفكري لإدارة المواقع الالكترونية. كما ان قواعد لغتهم قد لا تماثل قواعد لغة الكتابة الحالية، إذ ستدخل لغات التعابير اللا كتابية الاخرى ضمناً في نصهم.
ترى أن طبقة قصاصي النت:
أهم فعلاً طبقة؟!!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي