مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علي رضا حائري/كاتب ومترجم عراقي
▪️ تقديم :
عند ذكر اسم السيد الشهيد الخامنئي لا يتبادر إلى الذهن إلا ذلك القائد الذي اجتمعت في شخصيته هيبة المرجعية، ومسؤولية القيادة، وحكمة السياسية، وصلابة رجل الدولة. ولعل اجتماع هذه الصفات يوحي لأول وهلة بشخصية يغلب عليها طابع الصرامة، والعصامية، والأنغلاق. غير أن الاقتراب من عالمه الفكري والأدبي يكشف عن وجه آخر لا يقل حضورًا وجمالًا؛ وجه ذلك الأديب والمترجم والشاعر المرهف الذي آثر أن يبقى بعيدًا في هذا الجانب عن الأضواء.
صاغت سنوات السجن والملاحقة، وتجارب الثورة والحرب، وما أعقبها من تحديات داخلية وخارجية، شخصيةً جمعت بين الحزم والمرونة، وبين البصيرة السياسية والذائقة الأدبية. غير أن هذه المسؤوليات الجسام لم تستطع أن تحجب رهافة حسه، ولا أن تطفئ جذوة الشاعر الكامنة في أعماقه؛ فكأن وراء جُبّة القيادة روحًا شفافة لا تزال تحلّق في آفاق العشق المقدس والجمال اللامتناهي، ولا تستريح إلا بين الرياض الغنّاء، تستنشق عبير الكلمة في رياض الأدب، وتأنس بالمناجاة في محراب الشعر.
وما إن يغيب عن مشاغل السياسة حتى تجده بين رفوف المكتبات، أو في أروقة معارض الكتب، يتصفح مؤلفات الأدب والفكر بشغف القارئ الخبير. فإذا ظفر بكتاب استهواه، بدا ذلك على أسارير وجهه قبل أن ينطق به لسانه، ثم يأخذ في الحديث عنه حديث العارف المحب، كاشفًا عن ثقافة واسعة، واطلاع عميق، وذوق أدبي رفيع.
وقد امتدت قراءاته إلى روائع الأدب العالمي وخاصة الأدبين الروسي والفرنسي، فقرأ لعمالقة الرواية والأدب أمثال دوستويفسكي، وليو تولستوي، وفيكتور هيغو، كما عُني بالأدب العربي عناية خاصة، فنقل إلى الفارسية عددًا من مؤلفات سيد قطب، وترجم من أدب جبران خليل جبران رواية "دمعة و ابتسامة" ومن يطالع مذكراتهُ العربية «إن مع الصبر نصرًا» و«أنا والكتاب» ، أو يستمع إلى أحاديثه، يلاحظ مقدار عنايته بالأدب والفنون، بل وحتى بالموسيقى، بوصفها مظهرًا من مظاهر الذوق الإنساني الرفيع.
غير أن علاقته بالأدب الفارسي تبقى الأوثق والأعمق؛ فهو لا يكاد يخلو له لقاء من استشهاد ببيت شعر، أو رباعية، أو استحضار مقطع من محفوظاته، أو إنشاد شيء من نظمه. ولم يكن حفظه للشعر مجرد استظهار للنصوص، بل ثمرة معاشرة طويلة للدواوين، حتى نمتْ في أرض وجدانه شجرة الحسٌّ النقدي، وأثمرتْ قريحة شعرية أصيلة و متجذرة في وجدانهِ.
وقد بدأ الخامنئي ينظم الشعر في شبابه متخذًا تخلّص «نسيم» إسمًا شعريًا له، ثم عُرف بـ«ضياء الدين»، قبل أن يستقر على تخلّصه الأخير «أمين»، وهو الاسم الذي وقّع به معظم قصائده. وكانت المجالس الشعرية التي تُعقد في محضره شاهدًا على سعة باعه في هذا الفن؛ فيقوّم وزنًا هنا، ويصلح قافية هناك، ويشير إلى موطن جمال أو ضعف في قصيدة، حتى غدت تلك المجالس مقصدًا للشعراء، يعرضون عليه نتاجهم، طمعًا في ملاحظاته، وثقةً بذائقته الأدبية.
وقبل أن نلج إلى هذه المختارات التي ترجمناها عن اللغة الفارسية، يحسن أن نتوقف عند مواقف متفرقة تكشف جانبًا من شخصيته الأدبية، وتدل على أن الشعر عنده لم يكن زينة للخطاب، ولا محفوظاتٍ تُستدعى في المناسبات، بل كان لسانًا يترجم ما يختلج في النفس، وعدسةً يرى بها الحياة ومواقفها.
▪️ مقتطفات شعرية على لسانه :
ومن بين تلك المواقف أن عددًا من المسؤولين قصدوه عائدين بعد إحدى العمليات الجراحية التي أجريت له، فسألوه عن حاله. ولم يُجبهم بتقرير طبي، ولا بكلمات مجاملة، وإنما استعار لسان الشاعرة الإيرانية پروين اعتصامي، فأنشد من شعرها ما معناه :
كلُّ بلاءٍ يأتي منك فهو رحمة
وكلُّ ألمٍ تُذيقنيه هو عينُ الراحة
وما تضعُ محبَّك في ظلمةِ البلاء
إلا ليقع بصرُه على ذلك الوجه المنير
لقد أصابت الفأسُ كلَّ عرقٍ ومفصلٍ من جسدي
غير أنّ قلبي سيظل متصلًا بنورك ما بقيتُ حيًّا
وكان في هذا الجواب ما يغني عن كل وصف؛ إذ عبّر بالشعر عما يعجز عنه النثر، وجعل من البلاء مظهرًا للعناية الإلهية، ومن الألم طريقًا إلى القرب.
ومن المواقف الدالة على عمق ذائقته الأدبية أنه، بعد أن فرغ أحد الشعراء _والذي كان هنديًا_ من إلقاء قصيدة في مدح الإمام الحسين (عليه السلام)، عقّب مرتجلًا ببيتين من المثنوي لجلال الدين الرومي، يقول فيهما :
رُبَّ هنديٍّ وتركيٍّ يفهم أحدُهما الآخر
ورُبَّ تركيَّين لا يجمع بينهما فهمٌ ولا وئام
فلأهل الأسرار لغةٌ غير لغة الألسن
والمشاركة في القلب أفضل من المشاركة باللسان
وكأنما أراد أن يبيّن من خلال هذين البيتين أن الأرواح إذا تآلفت استغنت عن اللغة، وأن القلوب قد تتخاطب بما تعجز عنه الكلمات.
ومن لطيف ما يُروى أيضًا أنه حضر مجلسًا كان الشاعر محمد مهدي سيّار يتهيأ فيه لإلقاء قصيدة،فلم تُسعفهُ ذاكرتهُ في تذكرها، وبينما هو يحاول استحضاره، بادر السيد الخامنئي إلى إتمامه من ذاكرته، منشِدًا بيتًا للشاعر غني الكشميري :
لقد سلّمنا القلب إليك غير مبالين
فأنت تنسى ذلك،ونحن لا ننساه..!؟
فكان في سرعة استحضاره للبيت، وحسن اختياره له، ما جمع بين رهافة الذوق، وقوة الحافظة، وخفة الروح.
وكثيرًا ما كان يستشهد بأبياتٍ من شعر سعدي الشيرازي، ولا سيما تلك التي تعكس رؤية العارف إلى العالم بوصفه مرآةً للجمال الإلهي، ومنها :
أنا أبتهج بالعالم، لأن العالم يزهو به
وأحب الكون كلَّه، لأن الكون كلَّه صادرٌ عنه
ولعل من أبلغ المواقف التي تكشف عن نظرته المتوازنة ما نُقل عنه في أثناء حديثه عن بعض المظاهر التي رافقت تطبيق قانون الحجاب؛ إذ انتقد المسارعة إلى إصدار الأحكام على النساء غير الملتزمات بالحجاب، ورأى أن ظهور المعصية لا يجعل صاحبها أسوأ حالًا ممن استترت عيوبه. ثم استشهد ببيتٍ منسوب إلى عمر الخيام، يقول فيه :
قالتْ: أنا كما تقول يا شيخ
ولكن هل أنت كما تبدو ؟!
وفي هذا الاستشهاد دعوة إلى محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، وإلى التواضع بدل الاغترار، وهي معانٍ طالما ترددت في أدبيات العرفاء والحكماء.
وبعد هذه الإطلالة على بعض ملامح شخصيته الأدبية، يحسن أن نترك للشاعر نفسه يتحدث بلسانه، وأن نصغي إلى صوته بعيدًا عن ألقاب القيادة وأعباء السياسة؛ ففي الشعر تتجلى جوانب من وجدانه قلّما تكشف عنها الخطب والبيانات، ويطلّ علينا «أمين» شاعرًا عاشقًا، يناجي محبوبه، ويصارع نفسه، ويبوح بما تختزنه روحه من شوقٍ وتأمل، في صفحاتٍ يغلب عليها صفاء الوجدان ورقة التعبير.
▪️ القصيدة الأولى : "لحن الغربة"
في هذه القصيدة يطلّ «أمين» بلسان العارف، حيث يمتزج الشوق بالاغتراب، ويغدو الموت رجوعًا إلى الوطن، ويغدو الجمال الإلهي محور الوجود كلّه :
إنّ القلبَ من فرطِ الذهولِ يفرُّ من ذاته
والروحُ يعتريها شوقُ التحليقِ خارجَ قفصِ الجسد.
وما صرختي خوفًا من الموتِ أطلقتُها
بل رنينُ الجرسِ فرحًا بقربِ بلوغِ المنزل.
يدي لا تطالُ أن أقتلعَ القلبَ من صدري
غير أنّ دواءَ الشكرِ تمزيقُ الجيبِ والتعبيرُ عن الوجد.
ليلي أشدُّ سوادًا من خُصلِ شعرِ معشوقي
فأشرقي يا شمسي، فقد آن أوانُ البزوغ.
هذه خلاصةُ روضةِ حياتي أبعثُها إليك
وطائرُ بصري يتوقُ إلى فردِ جناحيه نحوك.
قد استمدّ كلُّ وردٍ في هذا البستانِ لونَه وبهاءَه
من فيضِ حضورك الذي يستحقُّ التأمّل.
لا أبوحُ لأهلِ الألمِ بحكايةِ حزني
فقد قُدِّرَ لقصةِ قلبي أن تبقى غيرَ مسموعة.
من اعتاد أن يقرّبَ شفتيه من شَرَكِ الهوى ويألفَه
فإنّه يومًا يا «أمين» حقيقٌ بأن يعضَّ شفتيه ندمًا
▪️ القصيدة الثانية : "شيخ الخرابات"
قصيدة عرفانية يخاطب فيها الشاعر «أمين» كمجاراة له لقصيدة للسيد روح الله الخميني يقول فيها (رأيتُ طرفك المريض فصرتُ مريضًا)، مستعيرًا رموز التصوف الفارسي في حديثهِ عن العشق والسلوك والولاية :
أنتَ الذي في شفتك خالُ سِحرٍ،كيف وقعتَ في الأسر؟
وأنتَ طبيبُ الجميع،فكيف غدوتَ أنتَ المريض؟
أنتَ الذي تجرّدتَ عن كلِّ كونٍ ومكان وحطمت مشنقة المنصور،وصرتَ كلَّك مشنقةً للفناء
قدحَ فيك عشقُ الحبيب ولوعةُ الرفيق شرارةً
يا من غدوتَ في القول والفعل حديثَ الأسواق
أحييتَ المسجدَ والمدرسةَ روحًا وروحانًا
فيا للعجب،كيف صرتَ للمصلّين نقطةَ الدائرة!
خِرقةُ شيخِنا الخراباتي سِيرتُك
وبحديثك في الحضرةِ صرتَ للأمّة يقظةً وانتباهًا
واعظُ المدينة طالما تباهى بـ"أنا"
وأنتَ تجلّى منك نَفَسُ عيسى المسيح
فاذكرنا يا من استراح من الأحزان
قطعتَ عن الخلق كلَّهم،وصرتَ للحقِّ خليلاً
▪️ القصيدة الثالثة : "حنينٌ إلى الأصدقاء"
لوحة وجدانية يصارع فيها الشاعر نفسه، فيتنقل بين الندم والرجاء، وبين الانكسار والوفاء، حتى يختمها بحنينه إلى موطنهِ، خراسان و أصدقاءه :
نشوانُ أنا من جرّةِ حزني الخفي
وكخُصلاتِ شعركِ غارقٌ في شتاتِ ذاتي
وفي مجلسِ وصلكِ لا أذكرُ القلّة ولا الكثرة
فكالمِرآةِ ألفتُ دهشتي وحيرتي بنفسي
ذات مرةٍ ندمتُ على عربدتي وسُكري
غير أنّي عمرًا بأكملِه نادمٌ على ندمي
ومن شوقِ ابتسامةِ شفتيه السكّرية لم أُسلِّم الروح
فأنا خجلٌ من الحبيبِ لفرطِ تعلّقي بحياتي
لم أرَ في عمري مكسورًا أشدَّ من نفسي
قلبي كئيبٌ منّي،وأنا سجينُ ذاتي
وعلى الرغم من أنني يا«أمين»لستُ أسيرَ هذا العالم
إلا إن قلبي معلقٌ بأصحابي الخراسانيين
▪️ القصيدة الرابعة : "مناجاة الصم والبكم"
هي مناجاة جماعية بضمير «نحن»، يصور فيها السالكين إلى الله من أهلَ الصمت والصفاء، لا يعرفهم حق المعرفة إلا من عرف سرائرهم :
نحن قافلةُ عبيدك،وأنتَ تعرفنا
وإن كنا بلا لسان،فأنتَ تعرفنا
نحن خرائبُ،وفي قلوبنا كنزٌ من الأسرار
ومع أنّنا بلا أثرٍ يُرى،فأنتَ تعرفنا
لا نبوحُ بسرِّ صمتنا لكلِّ أحد
فنحن غرباءُ عن الناس،وأنتَ تعرفنا
نحن مرايا،وإن أطبقنا شفاهنا عن الخلق
فكم من أسرارٍ نعلم،وأنتَ تعرفنا
قد أُغلِقت آذاننا وألسنتنا عن القيل والقال
فنحن متحرّرون من هذا وذاك،وأنتَ تعرفنا
كلُّ امرئٍ نسج عنّا حكاياتٍ من ظنونهِ
لكننا كالنّايِ بلا لسان،وأنتَ تعرفنا
في داخلنا صفاءُ الطفولة لم تُفسده الضوضاء
فنحن بستانٌ لا يعرف الخريف،وأنتَ تعرفنا
نحن كالمِرآة نُصَرِّح بما نرى كما هو
بوجهٍ واحد ولسانٍ واحد،وأنتَ تعرفنا
خطُّ النظر يكتبُ ما في أعماقنا
فنحن مختبئون في عينيك،وأنتَ تعرفنا
صامتون كالحكماء،ومرحون كالأطفال
نحن في آنٍ واحد شيخٌ وشاب،وأنتَ تعرفنا
بين صفاءِ العالم وكدره،نكون تارةً في نشوةٍ وتارةً في حزن
فنحن حمَلةُ آلام الغمّ،وأنتَ تعرفنا
من وادي الصمت طريقٌ إلى حُسن العاقبة
ونحن أهلُ هذا السبيل،وأنتَ تعرفنا
لم يسمع أحدٌ منّا أسرار الآخرين،يا «أمين»
فنحن أمانٌ للناس،وأنتَ تعرفنا
▪️ القصيدة الخامسة : "رحلةُ عمرٍ"
هي عبارة عن تأملات في رحلة العمر، يمتزج فيها الإحساس بثقل الطريق مع الثقة بأن الكرامة الحقيقية تنبع من الثبات والأمل :
خطوةٌ في الدرب أخطو،وخطوةٌ في الانتظار
تائهُ العمرِ،كالفرجال أدور بلا قرار
متعلّقٌ بأملٍ في صخورِ هذه الدنيا القاسية
أمضي الطريقَ بلهفةٍ،وقلبٌ مضطربٌ في صدري
طالما تباهيتُ يومًا بأن لي الاختيار
وها أنا الآن،كشمعةٍ،لا أملك غير الدمع والزفرات
فليَهطِل سحابُ الحزن ما دام أنيسُ عشقي حاضرًا
وما لي أخشى الأسى،وهذا الحزنُ نفسه مؤنسي؟
ما كان يليق بي أن أستقرّ في حضيض الدناءة
فأنا سيلٌ يستمدّ وجوده من أعالي الجبال
أنا مفعمٌ بروح الشباب،وإن شِختُ بمرور الدهر
كالسروِ،في الخريف أيضًا،يحتفظُ بلون الربيع
على جبيني أثرٌ من تُرابِ مشهد الطاهر
وأنا “أمين” سعيدٌ أن لي من الحبيب هذا الأثر الباقي
▪️ القصيدة السادسة : "عصا موسى"
كُتب هذهِ القصيدة التي تعبق بروح الحماسة في عمليات الوعد الصادق، حيثُ يوجّه فيها الشاعر الخطاب إلى النفس،داعيًا إياها إلى الثبات والشجاعة والتوكل، مستلهمًا رموز القرآن والتاريخ الإسلامي :
يا قلبُ، لا تفرّ من ساحةِ المحن والبلايا
بل التفِفْ كالإعصار،وانطلق كالصَّبا،ولا تفرّ
المعجزةُ في كفّك،فلا تَخَف من السَّحَرة
ألقِ عصاك،ولا تهرب رهبةً من الأفعى
أنت موجةُ عِزّةٍ وعزم،فلا تخشَ لُجَّةَ البحر
ولا تَهَبْ هديرَ العاصفة،ولا تبرح مكانك
لا تنكسرْ لخفّةِ عهدِ الأيام وغدرها
كنْ رايةً ثابتةً ولا تفرّ من الرياح
كُنْ صلباًولا تتّكئ إلا على ذُرى الجبال
وفوّض قلبك للحق،ولا تُعرض عن الدعاء
أنت من سلالةِ شجعانِ خيبر وبدر
فاصدح كذو الفقار وكحيدر،ولا تتراجع
لا تنحرف عن الطريق لابتسامةِ المنافق
ولا تنعزل من سُمِّ ابتسامةِ المعاند
ما دام الطريق إلى قبلةِ الأمان واضحًا فاثبت
ولا تضلّ بالأوهام إلى التيه
كنْ كالسهم،خذ طريق الهدف وأصِبْه
واحذر الانحراف،ولا تبتعد عن الله
وكنْ، يا «أمين»صادقًا أمينًا على خلق الله
واسعَ بالصدق،وخُضِ المخاطر،ولا تفرّ من غايتك
▪️ القصيدة السابعة: "الحياة الجديدة"
هي حديث عن السلوك إلى المحبوب، حيث تتحول المحن إلى أسباب للنهوض، ويغدو الحب قوةً تبعث الحياة في قلب السائر :
من أوّل الطريق،ما إن هبّت الرياحُ مثيرةً الغبار حتى نهضتُ
وكالألفِ في وصلِ الحبيب،قمتُ من البين مستقيمًا
وإن كان قدري كأسًا مغمورًا بالدم كشقائق النعمان
فقد قمتُ عن مائدة القِسمة مسرورًا راضيًا
كان مقصدُ نظامِ وجودي نورَ محبّتِك الساطع
فلمّا تجلّيتَ،نهضتُ كالنَّدَى حين يُرى الأثر
وفي وطءِ الحوادثِ العاتية نلتُ حياةً أخرى
كغبارٍ ينهض من تحت أقدام القافلة
وكالبلبل،لا أُؤالفُ ذوي الأرواح الثقيلة
فما إن نطق الببغاوات حتى انصرفتُ عنهم
إن مجالسةَ الوالهين تزيد القلبَ اضطرابًا
فكلّما جلستُ مع «أمين»، قمتُ بلا قرار
▪️ القصيدة الثامنة: "معجزة الكأس"
غزل عرفاني يفيض بصور الخمرة والكأس والساقي،وهي من أشهر رموز الشعر الصوفي الفارسي للتعبير عن الشوق إلى الحقيقة الإلهية :
قُلْ لي كلمةً،وامنحني من شفتيك نشوةَ الوصال
يا أيها ساقي! لقد خارت قواي،فناولني الكأس
قلبي مُنهكٌ من عناءِ الجسدِ والروح،فتعالَ
وانتزعني من نفسي،وهبْ لي سكينةَ الأيام
لا تُسلِّم إنائي إلى أيدٍ غريبة
ومن يدك أنت اسقِني خمراً بلون الورد
إن شذى زهرةٍ يُنعش أنفاسي
يا ذا الوجه الزهري! أرسل إليّ قبلةً مع النسيم
مضى عمري،ولم تبرح حسرةُ السُّكر قلبي
فهبني عمراً آخر من معجزة الكأس
يا عشق! أضرِمْ في قلبي المفعمِ بالرجاء نارك
وأعتقني هنيهةً من نزواتي الساذجة
خذ روحي،ولكن لا تنزع الكأس من يدي
يا أيها مدّعي،أيًّا ما تُعطِ،فالكأس هو مرادي
طائر قلبي خفق دامياً شوقاً إلى الرفاق
إلهي! امنحني أملاً بالخلاص من هذهِ الشِباك
قد تفتّح برعم قلبي،يا نسيم الربيع الجديد
فأعرني قلباً ضاحكاً،على سجيّة «أمين»
▪️ القصيدة التاسعة : "العودة إلى الوطن"
نختتم المختارات بمناجاة رضوية رقيقة، يلوذ فيها الشاعر بالإمام الرضا (عليه السلام)،راجيًا أن تكون غربته خاتمةً للرجوع إلى مأمن الروح وسكينتها،و يظهر فيها جليًا أن الشاعر ينعى نفسهُ و يشعر بقربِ أيام العودة إلى الوطن الحقيقي و الذي هو ركن في حرم الإمام الرضا (عليه السلام) و تحقق فعلاً ما تنبئ بهِ حيث دُفن في ذلك الحرم الطاهر :
افرغني من تعاقب الصباح و المساء
وأتمم أمري بلمحةٍ من عينيك
افتح صفحةً أخرى من ديوان جمالك
وأضف بيتاً يُكمل هذه القصيدة الناقصة ببيت منك
يا ذكرى ساقي الكوثر،يا أبا الحسن علي بن موسى الرضا
ألقِ تارةً بنظرة من عينيك على هذا العطشان
يا حاكم مملكة القلب،بنظرة دلالٍ منك
اقلب سكون القلوب بعامتهِ و خاصتهِ
أرشد الروح المتعبة إلى ديار الرضا
وروّض الطائر الشارد بابتسامة حلوة منك
ها هي ألفُ يدٍ من التمنّي ممدودة
فامدد يد كرمك على سنن الكِرام
هذا المقام دارُ شفاءٍ من نارٍ وماء
فداوِ لهيب قلبي بندىً من لطفك
لقد طال زمان اغترابك عن العشّ يا «أمين»
فكفى غربةً،و عُد نحو ذلك البيت و السقف
أنت فقير و معدم و وحيد
فتزود بفيض من فيوضات أعتاب الرضا
وهناك،حيث تتردّد أفواج الملائكة
اتخذ لك ركناً،وأقم فيه إلى الأبد.
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي