مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ملاك درويش
ناقدة | لبنانية
وفي إطارِ النّقد الرّوائيّ بوصفه سياقًا أدبيًّا معقّدًا، ستتناول المعالجة رواية "ميثاق النّساء" للكاتبة "حنين الصّائغ" في ضوء الاتّجاه البينيّ، لإقامة الحجّة على دور هذا الأخير في صقل التّجربة الإبداعيّة بعامّة، والرّوائيّة بخاصّة، وما ينتج منهما في حقلٍ نقديّ إبداعيّ شموليّ.
بالعودة إلى الرّواية الّتي تقدّم على مائدة البحث طرحًا مجتمعيًّا -بالدّرجة الأولى- مرتبطًا بواقع المرأة في المجتمع الدّرزيّ، نجدها في الوقت عينه تتقاطع ومجالاتٍ معرفيّةً أخرى: علم النّفس والجغرافيا والتّاريخ، والبيولوجيا... لينتهيَ بها المطاف إلى تصديرِ رؤىً وجوديّة تجعلها تنضوي ضمن فلسفة "سارتر" الوجوديّة؛ ذلك أنّها تدور في فلك الحرّيّة، وتُظهر تداعياتِ هذا الصّراع في بِناءِ شخصيّةٍ روائيّةٍ تعاينُ قلقًا وجوديًّا مزمنًا.
بدايةً، تعدُّ الرّواية "سيرة ذاتيّة"؛ إذ إنّ البطلةَ "أمل" هي محور الأحداث والرّاوي البطل (الرّاوي= الشّخصيّة) الّذي يتحكّم بمجرى الأحداث، متكلّمًا بلسانه ولسان الشّخصيّات الأخرى الّتي اقتصرت أدوارها على ملء الفضاء الرّوائيّ من دون أن تؤدّيها بشكلٍ مستقلّ، إلّا في سياق حواراتٍ خارجيّة متفرّقة في عمليّة السّرد؛ هذا ما جعل الرّواية أحاديّة الصّوت، وما يرتبط بدوره بالنّزعة النّفسيّة الطّاغية عليها. كأنّنا في جلسة تداعي الأفكار، حيثُ البطلةُ تمارسُ هذه العادةَ أمام المتلقّي، مفصحةً عن مكبوتاتها اللّاواعية وصراعاتها الدّاخليّة بين الهو والأنا الأعلى؛ نتيجةَ تخبّطها والعادات والتّقاليد المجتمعيّة البالية الّتي كادت تُطيحُ بأناها التّوّاقة إلى الحرّيّة، فعاينت أزمةً وجوديّةً وقلقًا لازمها سنواتٍ طويلة تحت سطوة المجتمع والسّلطة الذّكوريّة، حتّى وجدت ضالّتها بعد رحلة مخاضٍ طويلة في الانعتاق غير المشروط، وتاليًا في تكوين هُويّتها وتعزيز تقديرها الذّاتيّ.
لذلك، نلحظ أنّ زمنها النّفسيّ خيرُ شاهدٍ على صراعاتها النّفسيّة وتشطّي شخصيّتها، وزواجها من طبقةٍ بورجوازيّة لم يبدّل الحال، بل زادها سوءًا. فظلَّ الزّمن معاديًا سابغًا هالاته السّوداء في الفضاء المكانيّ حتّى استعادَت رُشدها أو سلامها المفقود في ظلّ أحداثٍ تاريخيّة عصيبةٍ، جاءت على سردها التأريخيّ في الرّواية: انفجار المرفأ في "بيروت" وجائحة (كورونا)، وغيرهما... ومع ذلك، ارتبط سلامُها الدّاخليّ في هذه المرحلة الحرِجة لا بزمن الأحداث والأزمات المجتمعيّة المتسارعة، بل بزمنٍ سرديّ وهبَها الحرّيّة على طبقِ تضحياتٍ جِسام؛ فاستحال الزّمكان أليفًا بامتياز. أمّا عن الغرض من هذا السّرد التّأريخيّ، فهو تأكيد نزعة الواقعيّة الّتي تحكم زمن الأحداث، والإشارة إلى محوريّة الأنا إزاءها، فالإنسان وحده من يحدّد هُويّة الفضاء حوله، وليس العكس.
ولا ننسى مدى التّـأثير الجغرافيّ في تركيبِ هذه الشّخصيّة، وتحديد ارتباطها بالأمكنة نفسيًّا، وبخاصّة البحر والجبال؛ فتجد نفسَكَ في رحلةٍ البطلةُ الدّليل فيها، لتعرّفك إلى المقامات الدّرزيّة الّتي ارتبطت بمرحلة الصّراع تلك، ثمّ الطّبيعة الّـتي مثّلت أمانها الوجوديّ. إذ إنّ قارئ الرّواية سيكتشف كثيرًا من المعالم الجغرافيّة ذات الصّلة بالثّقافة الدّرزيّة من جهة، ومن جهة أخرى سيتحرّى المعالم الطّبيعيّة ذات الأثر في الشّخصيّة التّوّاقة إلى الانعتاق من ربقة القيود، والانفتاح على آفاق الحرّيّة الشّاسعة الّتي انتهت بها إلى الغربة، تعويضًا مجتمعيًّا لا نفسيًّا عن الظّروف القاهرة المستجدّة.
فضلًا عن الثّقافة العلميّة والنّفسيّة الّتي تبثّها صفحات الرّواية عبر الإحاطة بجوانب الشّخصيّة المكتئِبة، والعوارض الّتي تنجلي على صفحة جسدها، وما يستتبع ذلك من عواقبَ وخيمة على مستوى الفرد والمجتمع. وتصدير توعية اجتماعيّة ونفسيّة مبطّنة من خلال تسليط الضّوء على تأثير محاولات التّلقيح الصّناعيّ جسمانيًّا ونفسيًّا على الحالة، والوقوف عند تفاصيل هذه المرحلة؛ لما لها من تبعات في تفاقم القلق الوجوديّ المحتوم.
خلاصة القول، تصلح هذه الرّواية مادّةً لدراسة جامعيّة مفصّلة، لما تشتمل عليه من جوانبَ علميّة وإنسانيّة مختلفة، جعلتها محتوىً دسِمًا للاتّجاه البينيّ؛ فتتكامل المناهج النّفسيّة والاجتماعيّة والتّاريخيّة، والفلسفيّة.. ويمكن الأخذ بأدوات النّقد الثّقافيّ في معرض الحديث عن الأنساق الثّقافيّة المضمرة وغير المضمرة، وذلك كلّه في إطار نصّ سرديّ يُحاكي أزمة المرأة الوجوديّة في ظلّ سلطة مجتمعيّة قاتلة للجوهر الإنسانيّ. هذا ما يؤكّد فرضيّة: الأدب محورٌ لتكامل المعارف، وفضاءٌ لفهم الإنسان بشكلٍ أعمق، هذا ما يساعد في ابتكار رؤىً نقديّة جديدة، واستيعاب الأعمال الرّوائيّة المعقّدة.


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي