loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أطفال في قبضة الهواتف

breakLine
2026-10-28

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي

 

حين يصبح الهاتف جليس الطفل، ومربّيَه ومصدر تسليته، وحين يجلس الآباء والأمهات إلى جوار أبنائهم بأجسادهم، بينما عقولهم معلّقة بشاشات صغيرة، علينا أن نتوقَّف ونسأل: أيّ مجتمع نبني؟ وأيّ طفولة نسرق؟
ثمَّة مشاهد صغيرة في ظاهرها، لكنَّها كبيرة في دلالاتها، ومخيفة في ما تكشفه عن أحوال مجتمعنا. مشاهد باتت تتكرَّر في الحافلات والقطارات والمطاعم والحدائق العامَّة، بل حتى في البيوت والمناسبات العائلية، حتى كأنَّنا اعتدناها ولم نعد نرى فيها ما يستحق القلق.
في وسائل النقل العامَّة، قد تقع عيناك على طفل لم يتجاوز عامه الثاني، يحمل هاتفًا يفوق حجم كفّه الصغير، غارقًا في مشاهدة مقاطع متلاحقة، ينتقل من صورة إلى أخرى، ومن فيديو إلى آخر، كأنَّ العالم كلُّه اختُصر أمام عينيه في شاشة مضيئة. فإذا حاولت أُمُّه انتزاع الهاتف من يده، انطلق الصراخ، وتعالت الاحتجاجات، وبدأت معركة صغيرة تنتهي، في كثير من الأحيان، باستسلام الأُم وإعادة الهاتف إلى الطفل الصغير، طلبًا للهدوء وتخلّصًا من الإحراج.
وهنا يحقُّ لنا أن نسأل: مَن الذي يربّي مَن؟ أهي الأُمُّ التي يفترض أن تعلِّم طفلها الصبر وضبط الرغبات، أم الطفل الذي نجح، بنوبة غضب، في فرض إرادته على أُمّه؟ ولكن مَن الذي وضع الهاتف في يده أصلًا، ثمَّ سمح له بأن يتحوَّل من وسيلة للترفيه إلى أداة لا يستطيع الاستغناء عنها؟
للوهلة الأولى يبدو أنَّ من السهل أن نُلقي اللَّوم على الأطفال، وأن نتذمَّر من تعلُّقهم بالهواتف، وأن نَصِفَهُم بقلِّة الصبر وضعف التواصل والعجز عن الاستمتاع بالحياة بعيدًا عن الشاشات. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: مَن الذي فتح لهم هذا الباب على مصراعيه؟ ومَن الذي وضع الهاتف بين أيديهم، ثمَّ تركه يؤدي وظيفة المربّي والمهدّئ؟
لنكُن صريحين: لا يمكننا أن نطالبَ أطفالنا بالتخلّي عن الهواتف ونحن لا نرفع أعيننا عنها. لا يمكن للأب أن يوبّخ ابنه لأنَّه يقضي ساعاتٍ أمام الشاشة، بينما يقضي هو معظم أمسيته يتنقَّل بين الرسائل ومقاطع الفيديو. ولا يمكن للأُمِّ أن تطلب من طفلتها أن تُصغي إلى حديثها، بينما هي تقاطع كلام ابنتها بين الحين والآخر لتتفقَّد إشعارًا أو تردَّ على رسالة.
إنَّ الطفل لا يتعلَّم مما نقوله له فحسب، بل مما يرانا نفعله. فإذا كانت الشاشة رفيق الأب الدائم، وملاذ الأُم كلّما شعرت بالملل، فبأيّ منطق نطالبهما أن يُقنعا طفلهما بأنَّ الحياة خارج الهاتف أجمل وأكثر ثراءً؟
لقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، نعيش مفارقة عبثية: نشتري لأطفالنا الألعاب، ثمَّ نتركهم يلعبون بالهواتف؛ نجلس إلى موائد الطعام، ثمَّ ننشغل بالشاشات؛ نزور الأقارب والأصدقاء، ثمَّ نهرب من أحاديثهم إلى عوالم افتراضية. وبعد ذلك نتساءل بدهشة: لماذا لم يعد أطفالنا يُجيدون الحوار؟ 
أيّة رسالة نرسلها إلى الطفل حين نكون معه ولا نكون له؟ وأيّة قيمة نعطيها للعلاقة الإنسانية حين يصبح الإشعار الإلكتروني أكثر قدرة على خطف انتباهنا من صوت شخص يجلس أمامنا؟
إنَّ أخطر ما في هذه الظاهرة ليس الهاتف نفسه، بل ما يكشفه عن علاقتنا ببعضنا بعضًا، وعن استعدادنا المتزايد لاستبدال الحضور الحقيقي بحضور شكلي لا يتجاوز الجلوس في المكان ذاته.
بالأمس القريب، دُعيتُ إلى حفلة عيد ميلاد، وذهبت وفي ذهني صورة مألوفة عن مناسبة اجتماعية تجمع الأهل والأصدقاء، وتتعالى فيها الضحكات، وتتبادل فيها الأحاديث، ويغني الجميع لصاحب المناسبة، فيما يركض الأطفال ويلعبون ويصنعون ذكرياتهم الأولى، لكنَّ الواقع كان مختلفًا!
جلست الوجوه حول بعضها بعضًا، فيما انشغلت العيون بالهواتف. الآباء يتصفّحون شاشاتهم، والأطفال غارقون في شاشاتهم أيضًا. أجساد في مكانٍ واحد، وعقول موزّعة على عوالم لا يعرف أحد عنها شيئًا. مناسبة يُفترض أنَّها للاحتفال بالتلاقي، فإذا بها تكشف حجم التباعد الذي تسلَّل إلى علاقاتنا.
أما أنا، فقد شعرت بأنَّني الوحيد الذي يغنّي خارج السرب... كنت أنظر إلى الوجوه وأتساءل: هل جئنا حقًا لنلتقي، أم جئنا لنثبت حضورنا في مناسبة اجتماعية بينما نواصل حياتنا المعتادة على الهاتف؟ ما جدوى أن ندعو الآخرين إذا كنا سنمنح شاشاتنا اهتمامًا أكبر مما نمنحه لهم؟ وما قيمة أن نجتمع حول طفل يحتفل بعيد ميلاده إذا كان كلُّ واحدٍ منّا يفضّل متابعة عالمه الافتراضي على المشاركة في فرحته؟
لقد تحوَّلت بعض مناسباتنا الاجتماعية إلى تجمُّعات صامتة، لا يقطع سكونها إلا صوت مقطع فيديو أو رنين إشعار أو طلب طفل مزيدًا من الوقت أمام الشاشة. وكأنَّنا نسير، من دون أن نشعر، نحو مجتمع يعرف كيف يتواصل إلكترونيًا، لكنَّه ينسى تدريجيًا كيف يتواصل إنسانيًا.
ولست أدعو إلى شيطنة التكنولوجيا، ولا إلى العودة إلى زمن لم تكن فيه الهواتف موجودة، إنَّما أدعو إلى استعادة شيء بسيط يبدو أنَّنا نفقده: أن نكونَ حاضرين فعلًا حين نجتمع، وأن نمنحَ الإنسان الذي أمامنا حقّه في الانتباه، وأن نتذكّر أنَّ أجملَ ما في المناسبات ليس الصور التي نلتقطها، بل اللَّحظات التي نعيشها معًا.
إنَّ الطفلَ الصغيرَ لا يمتلك النضج الكافي لفهم آثار الساعات الطويلة أمام الشاشة، ولا يستطيع بمفرده مقاومة تصميم تطبيقات تسعى إلى إبقاء المستخدم متفاعلًا لأطول وقت ممكن. ولا يمكن أن نطالبه بانضباط لا نمارسه نحن أنفسنا.
على الآباء والأُمّهات أن يتوقَّفوا عن التعامل مع الهاتف بوصفه مربية إلكترونية متاحة على مدار الساعة. نعم، تربية الأطفال مرهقة، ونعم، يحتاج الوالدان أحيانًا إلى دقائق من الهدوء، لكنَّ الراحة المؤقَّتة قد تصبح مشكلة إذا تحوَّل الهاتف إلى الحلِّ الدائم لكلِّ صعوبة تربوية.
ليس المطلوب أن يشعر الأبوان بالذنب في كلِّ مرَّة يستخدم فيها الطفل جهازًا إلكترونيًا، بل أنْ يدركا أنَّ الاستخدام يحتاج إلى تنظيم، وأنَّهما مسؤولان عن اختيار المحتوى، وتحديد المدَّة، ومراقبة أثر الاستخدام في النوم واللَّعب والعلاقات.
المجتمع أيضاً يطبع السلوك حتى يجعله يبدو طبيعيًا. فحين يدخل شخص إلى مقهى أو مطعم أو حافلة، على سبيل المثال، ويجد معظم الجالسين منشغلين بهواتفهم، يصبح الانغماس في الشاشة سلوكًا مألوفًا. وحين يجتمع الأقارب ولا يلتفت بعضهم إلى بعض، يتعلَّم الأطفال أنَّ التواصلَ البشري أمر ثانوي، وأنَّ لكلِّ شخصٍ عالمه الخاص الذي لا ينبغي لأحد مقاطعته.
وحين يقدِّم المجتمع الهاتف للطفل باعتباره وسيلة إسكات مضمونة، ثمَّ يسخر منه إذا لم يستطع التواصل مع الآخرين، فإنَّه يشارك في صناعة المشكلة ثمَّ يتظاهر بالدهشة من نتائجها.
ما لا يدركه البعض هو أنَّ هناك وقت للحديث، ووقت للأكل، ووقت للعب، ووقت للهاتف. وليس من الضروري أن تتداخل هذه الأوقات كلَّها. ولنا أن نتذكرَّ أنَّ القواعد التي لا يلتزم بها الكبار تتحوَّل في عيون الأطفال إلى أوامر ظالمة، لا إلى قيم تستحق الاحترام.
ثمَّة بعض الحلول، برايي، يمكن تطبيقها في السنوات الأولى من عمر الطفل:
أولاً، الأطفال يحتاجون إلى التفاعل المباشر والحركة والنوم واللَّعب أكثر من حاجتهم إلى الشاشات. 
ثانياً، تُحدَّد أوقات الاستخدام مسبقًا، وتُمنع الشاشات أثناء تناول الوجبات، وتُبعد عن غرف النوم وقت النوم. ويجب أن تُطبَّق هذه الإجراءات باستمرار وهدوء، لا أن تتغيَّر بحسب مزاج الوالدين أو درجة انشغالهما.
ثالثاً، يمكننا احتضان الطفل حين يبكي أو يغضب ومساعدته على الهدوء، بدل أن نضع الشاشة أمامه فورًا. 
رابعاً، تقديم بدائل حقيقية، لا الاكتفاء بالمنع، إذ لا يمكن أن ننتزع الهاتف من يد الطفل ثمَّ نتركه أمام فراغ كامل. علينا أن نوفّر له قصصًا وألعابًا ومواد للرسم، وأن نشاركه المشي واللَّعب والأنشطة البسيطة، وأن نمنحه فرصًا للقاء أطفال آخرين. 
خامساً، يمكن للعائلات أن تتفق على أوقات خالية من الهواتف في أعياد الميلاد والزيارات واللقاءات. ويمكن للكبار أن يضعوا أجهزتهم جانبًا، وأن يشجِّعوا الأطفال على اللَّعب والتعارف والمشاركة. 
سادساً،  أن يبدأ التغيير من الكبار... فلنجرّب أن نضع الهاتف بعيدًا خلال تناول الوجبات، وأن نُخصَّص وقتاً للحديث واللَّعب مع الأطفال من دون مقاطعات إلكترونية. 
الحقُّ أقول: لست في حرب على الهواتف، ولا أريد أن أعزل أبناءنا عن عصرهم، أو أحرمهم أدوات قد تفيدهم في التعلُّم والإبداع والتواصل. فالتكنولوجيا أصبحت جزءًا من الحياة، والأطفال يحتاجون إلى اكتساب بعض المهارات بذكاء ومسؤولية. لكن ثمَّة فرق كبير بين أن يستخدم الطفل الهاتف، وأن يصبح أسيرًا له؛ بين أن يستفيد من التكنولوجيا، وأن يفقد القدرة على الاستمتاع بما عداها؛ بين أن يفتح الشاشة حين يحتاج إليها، وأن يعجز عن إغلاقها من دون صراخ وانهيار.
إنَّ هدف التربية ليس صناعة أطفال يطيعون الأوامر بلا نقاش، بل بناء أشخاص يستطيعون تنظيم رغباتهم، وتأجيل إشباعها، والتواصل مع الآخرين، واختيار ما ينفعهم حتى عندما لا يراقبهم أحد. وهذا لا يتحقَّق بالمواعظ وحدها، ولا بالصراخ، ولا بمصادرة الهاتف فَجأةً بعد سنوات من تركه متاحًا بلا حدود. 
إنَّ أكثر ما يحزن في مشهد الأطفال الغارقين في الهواتف ليس مجرَّد ضياع الوقت، بل احتمال ضياع فرص لا تتكرَّر: حديث كان يمكن أن يوسّع مداركهم، ولعبة كانت ستعلّمهم التعاون، ونزهة كانت ستمنحهم ذكرى، ووجه كان ينتظر منهم ابتسامة، وأب أو أم كان يمكن أن يكونا أقرب إليهم لو رفعا أعينهما عن الشاشة.
والأشدُّ إيلامًا أن نرى الكبار أنفسهم غارقين في السلوك ذاته، ثمَّ يُعلنون خوفهم على مستقبل أبنائهم! فهم يخشون على أطفالهم من العزلة وهم يمارسونها؛ يهملون الحوار ويقلقون على ضعف مهارات أبنائهم الاجتماعية؛ يشتكون من تعلُّق أطفالهم بالهواتف بينما هم يعلّمون أطفالهم أنَّ الهاتف هو الرفيق الذي لا غنى عنه.
فأيّ تناقض أكبر من هذا؟
ربما حان الوقت لكي نعيد النظر في معنى الحضور. الحضور ليس أن تجلسَ إلى جوارِ أبنائك، بل أن تصغي إليهم. وليس أن تلتقط صورة مع أصدقائك، بل أن تشاركهم لحظة تستحق أن تُعاش. وليس أن تمنح طفلك هاتفًا غالي الثمن، بل أن تمنحه من وقتك واهتمامك ما يجعله يشعر بأنَّه مهم، وأنَّ صوته مسموع، وأنَّ العالم لا ينحصر في شاشة.
فلنجرّب، في المرَّة المقبلة التي نجلس فيها إلى مائدة الطعام، أن ننظرَ إلى الوجوه بدل الشاشات. ولنمنح أحاديثنا، في الزيارة المقبلة، فرصة كي تمتد من دون مقاطعة. ولِنُغنِّ، في عيد الميلاد المقبل، مع الأطفال بدل أن نكتفي بتصويرهم وهم يغنّون. ولنتذكَّر أنَّ أطفالنا لا يحتاجون إلى آباء وأمهات متصلين بشاشات هواتفهم طوال الوقت، بقدر ما يحتاجون إلى آباء وأمهات متصلين بهم، بمشاعرهم وأسئلتهم ومخاوفهم وأحلامهم.
إنَّ الهاتف أداة، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يعوّض دفء حضنٍ، ولا نظرة اهتمام، ولا حوارًا صادقًا، ولا صداقة تنمو في ساحة اللَّعب. وإذا كنّا قد سمحنا لهذه الأداة بأن تحتلَّ مساحة أكبر مما ينبغي في حياتنا، فليس من الحكمة أن نستسلم للأمر الواقع، بل أن نعيد إليها حجمها الطبيعي.
أما أن يصبح الهاتف حاضرًا في كلِّ الأوقات، وأن يغيب الإنسان عن كلِّ لحظة، فتلك ليست علامة على التحضُّر، بل إشارة تستحق أن نتوقَّفَ عندها طويلًا.
فلنرفع رؤوسنا عن الشاشات قليلًا؛ فالحياة لا تنتظرنا داخل الهاتف. إنَّها تحدث هنا، أمام أعيننا، بيننا وبين الذين نحبُّهم. والمأساة الحقيقية ليست أن يفوتَ أطفالنا مقطعًا على الشاشة، بل أن تفوتهم طفولتهم ونحن ننظر إلى شاشاتنا!

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي