مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د. كوثر محمد مروان
ناقدة | مصرية
تعد الغربة من أبرز المحركات النفسية والاجتماعية التي تؤثر في تشكيل الشخصية الإنسانية، ولا سيما الشخصية النسائية في الأدب المعاصر. ويُعَدّ الأدب السردي المعاصر مرآةً دقيقة للتحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها الإنسان العربي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتزايدة، ولا سيما تجربة الاغتراب التي لم تعد خيارًا ذاتيًا بقدر ما غدت ضرورةً تفرضها ظروف المرض أو الفقر أو المسؤولية العائلية. ويأتي هذا النص بوصفه شهادة سردية إنسانية تقترب من السيرة الذاتية، ترصد تجربة امرأة عربية اضطرتها ظروف مرض زوجها إلى الهجرة والعمل في مجال التعليم بإحدى البلدان العربية، متحملةً أعباءً نفسية واجتماعية مركبة، وقد عكس المتن السردي قضايا الهجرة، العمل، المرض، الأسرة، المال، والمرأة المعيلة، وهو ما سنستعرضه في محاور قراءتنا.
العتبات النصية:
أول عتبة من عتبات النص ألا وهي العنوان: النسيم والهجير، حيث يقوم العنوان على ثنائية التضاد، وهي ثنائية تتكرر في كامل الرواية على مستوى الحدث، والشخصيات. فالنسيم يرمز إلى الأمومة، العلاقة الاسرية الدافئة ، الذكريات الجميلة، الصداقة النسائية مع الصديقات عواطف، روان، خالدة. أما الهجير فيتمثل في الغربة الطويلة، مرض الزوج وفقدانه البصر، فيعاني من الوضع النفسي والاقتصادي البالغ الصعوبة، حيث يعلن العنوان منذ البداية أن الرواية تتحرك بين حالتين متناوبتين متضادتين.
أما "الإهداء" فقد ورد فيه: إليهن ../ عندما تصبح الحياةُ ذكرى
والذكرى حاضرا / والحاضر ذكرى
يأتي الإهداء بوصفه عتبة نصيّة مكثفة، تمهّد للدخول إلى العالم السردي وتكشف منذ اللحظة الأولى عن البنية الشعورية والفلسفية التي تحكم النص. فالكاتب لا يهدي نصه إلى فرد بعينه، بل إلى جماعة أنثوية مبهمة الدلالة في ظاهرها «إليهن» تحيل إلى نساء يشتركن في الوجع ذاته: الغربة، الفقد، التضحية من أجل الأسرة تختلط الأزمنة في الاهداء وتذوب حدودها: فالحياة تتحول إلى ذكرى، والذكرى تتقمص هيئة الحاضر، بينما يعود الحاضر نفسه إلى حالة الذكرى. هذا التداخل الزمني يعكس اضطرابًا داخليًا ناتجًا عن الصدمات المتراكمة.
اعتمد الإهداء على جمل قصيرة مكثفة، خالية من الزوائد، ما يمنحه بعدًا تأمليًا أقرب إلى الشذرات الفلسفية. كما أن التكرار الدلالي لكلمة «ذكرى» يرسّخ هيمنة الماضي على الرواية، ويجعل الذاكرة المحرّك الأساس للسرد القادم.
وفي الافتتاحية، نقرأ (الطقوس الصباحية والاغتراب) يبدا الكاتب الرواية بتلك الافتتاحية:
"تلك هي طقوسها الصباحية المكرورة استيقاظ قبل تنفّس الصبح في شتاء خليجي، يقصر نهاره الدافئ، ويتمدد ليله، مع برودة نسبية متسربة من ثغرات النافذة الزجاجية بأطرها المصنوعة من الألومنيوم، تستشعرها ذاتها بين جدران غرفتها ذات الصبغ الأبيض، الذي تعشقه، وتردد دائما أنه
يدفع الظلام والوحدة عنها،ويجعلها تغوص في نومها بأنفاس عميقة" (ص5).
يعكس هذا المقطع صورة الاغتراب اليومي من خلال استحضار تفاصيل الصباح بوصفها طقوسًا ثابتة تتكرر بلا تغيير، وهو ما يمنح النص بعدًا اجتماعيًا واضحًا، حيث يتحول الزمن إلى دائرة مغلقة تحكم حياة حنان العاملة في الغربة. فالروتين هنا لا يُقدَّم كحالة تنظيم، بل كآلية استنزاف بطيئة للذات، تفرضها طبيعة العمل وظروف الاغتراب.
ويبرز المكان بوصفه عنصرًا نفسيًا فاعلًا، إذ تشكّل الغرفة البيضاء والنافذة المغلقة فضاءً معزولًا يعكس حاجة حنان إلى الاحتماء من الوحدة، في مقابل عالم خارجي بارد ومظلم. ويكشف هذا التناقض عن صراع داخلي بين الرغبة في السكينة والخوف من الفراغ، وهو ما يتجلى في النوم المتقطع والتأمل الصامت للظلام، لا تنتهي طقوسها الصباحية عند تلك الحدود، يتابع السارد قائلا ثم تسارع بالصلاة بزوغ الشروق ، داعية بحرارة لحبيبيها، هناك في الإسكندرية شمال مصر، وهما يتخاتلان أمامها الابن "وليد" ذو ستة عشر عاما، و" سمر البنوتة الشقية بأعوامها الإحدى عشر، التي ورثت ملامحها، وصارت تذكّر العائلة بالأم، التي اغتربت منذ سنوات".
تتخذ الصلاة وظيفة وجدانية تعويضية، تستحضر فيها البطلة أبناءها البعيدين، في دلالة على تمزق الهوية الأنثوية بين متطلبات العمل وواجبات الأمومة. وهكذا يرسّخ المقطع منذ بدايته صورة المرأة التي تؤدي أدوارها كاملة، لكنها تدفع ثمنها نفسيًا في صمت.
أما الذاكرة والاسترجاع فجاءا كتنفيس نفسي، يقول السارد: "وهكذا دأبتْ أن تكون ذاكرتها حيّة أينما تحرّكت، وهكذا تقول لنفسها، بأن الغربة علّمتها أن تحيا بالذكريات، تستلذ بها كلما استعادتها وكأنها مشهد سينمائي، كلما شاهدته، وجدت فيه الجديد من التفاصيل، وتتمعن فيه أكثر، بحثا عن المزيد من المنمنات التي تبهجها" (ص 8)
يؤكد هذا المقطع كيف تتحول الذكريات من مجرد استرجاع للماضي إلى أسلوب حياة واعٍ، تتكئ عليه البطلة في مواجهة الغربة، بحيث يغدو الماضي مصدرا للدفء والاستمرارية. ويكشف تشبيه الذكريات بالمشهد السينمائي عن وعي سردي متقدّم، حيث لا تُستعاد الذاكرة بصورة جامدة، بل بوصفها مادة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف. فكل استعادة تحمل تفاصيل جديدة، ومن منظور نفسي، تمثل هذه العملية شكلًا من أشكال التكيّف الإيجابي مع الفقد والغياب، وتغدو التفاصيل الصغيرة، أو «المنمنمات»، وسيلة للتمسك بالهوية الفردية في مواجهة التحديات داخل واقع العمل والروتين.
الشخصيات الهامشية الكاشفة» في واقع المرأة في الغربة :
وأبرزها شخصية شعبان، حارس البناية الصعيدي: "أبو ملك يعتز كثيرا باسم ابنته الكبرى، فيتكنى بها، ويصّر أن ينادينه به، إلى أن يرزقه الله بالولد. ليتخذ موضعه على كرسي مرتفع، يمكنه من مراقبة الداخلات والخارجات. فيتلصص على السكن النسائي، وثمة حوادث ومواقف يتكتمن عليها المعلمات ظاهرا، وتروى بينهن سرا، عن شباب تفننوا في المعاكسات من فوق الأسطح، أو اعتلوا سياراتهم الجيب،...." (ص12..13).
حيث يحتلّ الحارس شعبان مساحة سردية تتجاوز دوره الوظيفي، ليغدو مرآة لنسق اجتماعي وثقافي كامل. فمن خلال تفاصيل بسيطة تتعلق باسمه، وبناته، وطريقة حديثه، وعلاقته بالمعلمات، ينجح النص في رسم صورة للمجتمع الذكوري الشعبي في فضاء الاغتراب، بكل ما يحمله من تناقضات بين الطيبة الفطرية والنظرة التقليدية للمرأة فيتجلّى هذا المقطع في الإيحاء بحالة القلق الجماعي للنساء من النظرات والتلصص والمعاكسات، وهي ممارسات لا تُروى صراحة، بل تُذكر بوصفها أسرارًا متداولة بين المعلمات والكاتب يترك للقارئ استنتاج حجم التهديد الرمزي الذي يطال الجسد الأنثوي حتى في أماكن يُفترض أنها آمنة، فثمن الغربة واغتراب الأمومة؛ الذي دفعته البطلة حنان بينه هذا المقطع. يقول السارد :" غربتها التي أضحت رغم كل متاعبها سببا في رخائها المادي؟ ... يحضر دوما في مكالماتها مع وليد، وهو يلحّ عليها بالعودة "ماما، متى ستكونين بيننا دائما؟ (ص14).
ويبلغ المقطع ذروته العاطفية عند عودة صوت الابن، الذي يعيد تذكير البطلة بسبب اغترابها الأول، ويكثّف صراعها بين النجاح المادي والغياب الأمومي.
تكوين شخصية البطلة:
جاء تكوين وعي البطلة حنان ونضجها من عدة أمور، حيث تجمع البطلة حنان بين خبرات متعددة من النساء في حياتها؛ خالدة، روان، عواطف، وسهام، فكل تجربة كانت تضيف لبصيرتها وفهمها للعلاقات الإنسانية.
أولا :الغربة، سواء الجغرافية أو العاطفية، كانت المحرك الرئيسي لتشكيل شخصيتها النسائية المستقلة والقادرة على مواجهة الحياة، "سأعود، لنحيا أسرة واحدة… أخذت كثيراً من عمري وعمركم."
المقطع يؤكد أن الغربة علمتها تحمل المسؤولية، وإعادة ترتيب أولوياتها، والوعي العميق بأهمية الروابط الأسرية والاجتماعية.
ثانيا: من البيئة التي نشأت بها: الحياة الأسرية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل شخصيتها.
"ترن في أذنيّ تحذيرات أمي من الرجال، بل وتطغى علي كلمات الغزل الملقاة مجانا على مسامعي. علمتُ بعدها من صديقاتي أنها قاموس متكرر، تتوارثه الأمهات عن الجدات" (ص23).
وتتابع قائلة: "كانت مواقفي معهم عادة نابعة من تراكم خبرتي الأنثوية (ص31)
يتناول المقطع خبرة البطلة الأنثوية المبكرة مع معاكسة الشباب، تظل تحذيرات الأم مستمرة في تشكيل وعيها بالسلوكيات المقبولة والمهددة، مؤشّرًا على استمرار القيم والمبادئ الأسرية".
والأم تدرك مبكرًا أن محسن لن يتغير فتقول لها: "لن تفصّلي زوجًا على مزاجك، راحت تزرع الفكرة بحكمة برأس ابنتها، وتركت لحنان أن تصل إليها وحدها أنها بصيرة الأم: التي تختصر الحياة الزوجية في جملة واحدة".
وثمة قاموس آخر مغاير، حاد في كلماته، خشن في نغمه، ألا وهو قاموس الآباء، ومعه أيضا الإخوة الذكور، وكأن الجميع مسلط على البنت؛ يخيفها لأنه يخاف عليها" (ص 23)
يوضح المقطع تأثير الأب والأخوة في تشكيل وعي البطلة، من خلال الحماية المبالغ فيها والتحذيرات المتكررة للفتاة وضغط الرقابة الذكورية، موضحًا كيف تتشكل خبرتها الاجتماعية والنفسية في سياق العائلة قبل الغربة من هنا كونت رأيها بالحب من خلال تجربتها مع أسرتها.
كما تقول أمي، وهي تنسف مقولات المسلسلات وشعارات الأفلام، خاصة أفلام المرأة الجديدة، المتعلمة المثقفة، التي تقف فيها البطلة، تخطبُ عن تحرير المرأة، وإرادتها، واختيارها للشريك المناسب. تقول أمي ضاحكة: حتى الحب قسمة ونصيب سبحان من يؤلف القلوب، ويجمعها بالمودة" (ص28). ويُبرز المقطع دور الأسرة في ضبط العلاقات العاطفية وتوجيهها، مما يعكس صراع الفرد بين الانفتاح والقيود الاجتماعية.
أيضا، فإن مرض والدتها كشف للحنان مدى تعلق الأسرة ببعضها، وبيّن أهمية الصبر والتكاتف، فقد طلب الأب الزواج ليس لأنه يريد امرأة، بل لأنه يريد استعادة النظام بسرعة،
الابنتان تُطالَبان بذبح حزنهما، لا لمواساة الأب، بل لإدارة حياته طلبه للزواج لا يدين الأب صراحة، لكنه يضع القارئ أمام مفارقة قاسية الأم رحلت، فانهار المعنى، والأب يريد أن يُعاد المعنى فورًا، حتى لو على حساب الذاكر"(ص41).
فهذا المقطع، باختصار، يؤسس لوعي وتفهم للعلاقات الأسرية من أجل عودة الأب قويا ومتماسكا حيث تولى الأب دور الثبات والهدوء، وحرص على نقل الاطمئنان ما جعل حنان تدرك قيمة التضامن الأسري والتعامل مع المواقف الصعبة بروح المسئولية..
ومن الخبرات الشخصية التي شكلت وعي حنان، بروح ناضجة ووعي مبكر في مواجهة الصعوبات والتحديات، لقد اكتسبتها في المدرسة أو في حياتها الأسرية علمتها أهمية التخطيط والتوازن بين الحياة، فعلى مستوى الخبرة الحياتية، تتعلم حنان القيادة وشراء السيارة والتنقل بمفردها في الغربة، مما يعزز استقلاليتها وقدرتها على مواجهة المواقف الجديدة بثقة. كما يظهر تعاملها مع الاختبارات اليومية بعقلانية وصبر، واستثمارها لكل تجربة في بناء شخصيتها
كما أبرز السرد التقاليد العائلية المميزة، مثل التحية الخماسية، والتي تعكس الحب والترابط العميق بين أفراد الأسرة، كثيرا ما جلست مع أبي وعمي أستمع لهما، مولعة كنت بحكاياتهما، كأنني أضيف لعمري أعمارا أخرى مجلس عائلتنا الذي يلتئم عادة في الصالون، مخصص لقضايا عائلية نسب ومصاهرة، وصراعات الميراث، وخلافات الأشقاء وأبناء العم حول اتفاقات وديون، ووعود. والغريب أنهم كانوا يقتصرون على مناقشة مشاكل الرجال" (ص66).
فقرارات الزواج والعلاقات الأسرية ترتبط بجلسات العائلة الكبرى ومجلس "المندرة"، ومنها تستحضر البطلة من خلال حكايات عمّها وأبيها تفاصيل الحياة اليومية في القرية، من الطعام الطازج والخبز على الحطب إلى الطقوس العائلية البسيطة، ما يعكس ترابط الإنسان مع الأرض والجذور والذاكرة الجماعية.
أيضا، يُظهر المقطع (ص64-65) التناقض بين الماضي الريفي المليء بالبساطة والدفء وبين الحاضر المدني المألوف بالراحة المادية ولكنّه خالٍ من نفس الروابط العاطفية والتقاليد الأصيلة. من خلال هذا التباين، تدرك البطلة أهمية الجذور والتقاليد في تشكيل شخصيتها وفهمها لمفهوم الأسرة والزواج، كما يتضح تأثير هذه الذكريات على وعيها بالقيم العائلية والمجتمعية هذه عائلتنا، ولقبها " الصياد"، بأصولها البحراوية(ص 68). وأذكره عندما يطلب منه أبي استظهار سلسلة نسبنا، بل ويجب أن نسطرها في سويداء الفؤاد (ص68). كما يوضح المقطع الانتماء العائلي القوي عبر شجرة العائلة الممتدة لأجيال، والفخر باللقب والعراقة، وهو ما يعكس الهوية الاجتماعية والثقافية للعائلة. فيمكن القول إن المجالس الذكورية منحت حنان نضجًا مبكرًا، لكنها في الوقت ذاته عمّقت شكّها في الحب بوصفه سردية متخيَّلة لا ضمان لها
الشخصيات النسائية ودورها في تكوين وعي البطلة:
تتنوع الشخصيات الأنثوية بين البطلة الرئيسية، التي تواجه صراعات الغربة والعمل والزواج، وبين نساء أخريات يمثلن نماذج مختلفة من القوة والوعي والمرونة. فالبطلة من خلال رحلتها، تمثل المرأة المعاصرة التي تحاول التوفيق بين دورها كزوجة وأم وعاملة، وبين رغبتها في الحفاظ على استقلاليتها وحقها في الحياة بحرية. الغربة التي تعيشها تزيد من وعيها بذاتها وقدرتها على مواجهة الصعاب، كما يظهر في وصف رحلتها مع ولديها وليد وسمر، ومتابعتها لحالة زوجها المرضية: "عملت في الغربة ليلاً ونهاراً، متحسبة لما هو قادم، لنعيش في ستر، وأحقق تطلعاتهما، مؤمنة أنهما يملكان أحلاماً وردية من خلال تجربتها مع زوجها محسن، تدرك حنان أن الحب والجمال وحدهما لا يكفيان، بل يتطلب الأمر حكمة، صبر، ومرونة عاطفية، تقول: "أنا لن أتغير… أجمل شيء في حياتي أن تظل حياتي هي حياتي"، فمحسن يرى أن الخطر يأتي من التغيير. لذا تقول في ختام الرواية "تعلّمت من محسن أن أعيش راضية قانعة".
الشخصية الثانية هي "سهام" السورية، لهجتها الشامية تحدد جذورها الثقافية، مما يضيف بعدًا للبيئة الاجتماعية التي تتواجد فيها حنان. وصفت وجهها بالنقاء وارتباطه بالطيبة الداخلية يعكس فكرة أن الخير والصدق يظهران في ملامح الإنسان، كما تشير الأم: «ما في القلب باد في الوجه، سهام لم تكتف بدورها كمشرفة في السكن، بل أصبحت لحنان صديقة وأختًا ومرآة تعكس لها ذاتها، تقدم لها النصيحة والتوجيه بخبرة وحكمة مكتسبة من حياتها.
وهناك شخصية "أمينة"، وقد كانت في شبابها جميلة وناجحة، لكنها تطورت شخصيتها لتصبح شديدة الحذر والشك، خاصة تجاه الرجال، حيث تختبر كل من يقرب منها قبل أن تثق به. الوحدة الطويلة وتجارب الحياة جعلتها صارمة، متحفظة، وواقعية في تعاطيها مع الآخرين، خصوصًا في علاقاتها مع زميلاتها المقيمات في السكن، مما انعكس على نصائحها وحكمتها، لكنها أيضًا مصدر للتجربة والاحتراس لمن حولها.
ولو قارنا بين شخصية حنان وأمينة نجد الثانية واجهت الغربة بالتحصّن النفسي والحذر، بينما حنان تواجهها بالواجب والتقبل والشكر، مع الحفاظ على توازنها الأسري والاجتماعي، وتعلمت حنان منها كيفية مواجهة الصعوبات، وإدارة الشؤون اليومية بأسلوب متزن.
يقول السارد: "أيقنت حنان أنها في حاجة إلى خبرة حياة أخرى، وشخصية تضيف لها، بعيدًا عن 'هن' وحكاياتهن… …"
أما شخصية روان، فهي تمثل المرأة المستقلة التي عاشت الحب والطلاق، وواجهت خيبات عاطفية وصراعات مادية، لكنها احتفظت بالروح المرحة والوعي الذاتي. حنان البطلة تتعلم منها كيفية المحافظة على الذات رغم الخيبات، وتحويل الألم إلى قوة داخلية. تقول حنان: "تعلّمت من روان أن أبقي على زوجي، وحبي للحياة."
وتظل شخصية عواطف، زميلة البطلة، تعكس التفاؤل رغم الصعوبات، وتقدم نموذجًا للصبر والأمل في حياة مليئة بالتقلبات. البطلة تستمد من عواطف القدرة على توقع الخير، ومواجهة الظروف بصدر رحب. تقول حنان: "تعلّمت من عواطف أن الخير حتما سيأتي، ما دامت قلوبنا نقية."
ونأتي إلى شخصية فريدة، التي تبدو كقناة نقل للخبرات والأحداث الاجتماعية بين النساء، حيث تنتقل معلوماتها بسرعة ، بما في ذلك أزواج الزميلات. مما يخلق توترات ومسؤوليات أخلاقية حول القيل والقال. ففريدة تمثل القدرة على ربط الشبكات الاجتماعية ونقل المعرفة، لكنها تبرز أيضًا التحديات المترتبة على الإفراط في الكلام والثرثرة ضمن مجتمع مغترب محدود.
وتقدم شخصية خالدة نموذجًا للمرأة القادرة على التوازن بين الواجبات العائلية والمهنية، وتساعد البطلة على فهم الحياة بعمق أكبر، "فوجئت حنان عندما أخبرتها خالدة أنها منفصلة عن زوجها منذ سنوات، وأنها على وشك الطلاق… كانت شخصية مختلفة، خبرة مضافة، من خلال حواراتها مع حنان. واستغربت من هذه الشخصية التي تزأر طوال اليوم في طرقات المدرسة، فها هي الآن مشرقة الأسارير وحديثها بألفة عالية. فهي ترى مديرتها إما في زعيق، أو وعيد، أو تهديد، فإذا صمتت، يظل وجهها مقلوبا (ص53).
يقدّم المقطع السابق خالدة بوصفها سلطة رقابية صامتة، تمارس الإدارة بالحضور الدائم والملاحظة الدقيقة لا بالمواجهة المباشرة. اقترابها من حنان يشكّل اعترافًا ضمنيًا بكفاءتها المهنية، ويكشف توازن البطلة بين الاحترام الرسمي والحذر الاجتماعي داخل الوسط النسوي، حيث يُعدّ القرب من السلطة مصدر تقدير ومحلّ غيرة في آن واحد
كما يظهر المتن السرد ويكشف قدرة المرأة المهنية على فرض النظام دون أدوات قسرية البطلة حنان مدرسة لغة عربية للصف الخامس ستتسم بالحزم الهادئ والهيبة الطبيعية، وتعتمد على الحضور الشخصي وقوة النظرة وضبط الصوت في إدارة الصف. تُجيد فرض النظام دون عنف أو إهانة، وتبني علاقتها بالتلاميذ على الاحترام والانضباط، ما يجعلها قادرة على تطويع الصفوف الصعبة وتحويل الفوضى إلى سكينة. تبدأ شرحها، ثم يرتفع صوتها الجهوري، وهي ترنو إلى وجوههم، وحذاري لمن يمسك قلما أو يهمّ بتدوين كلمة، فما عليهم إلا الإنصات، ثم الجواب ... الصف الخامس، ذلك الفص الذي أتعب كل معلماته، إلا معلمة اللغة العربية، التي طبّعت تلاميذها بالسكينة، دون أن تتكىء على عصا، أو تفلت كلممة شتما أو سب. (ص51).
يمكن القول إن شخصيات: سهام وعواطف وروان يقدمن دروسًا متبادلة للبطلة، سواء في الصبر أو المحافظة على الأمل، أو في التعلم من تجارب الفشل والخيانة، مما يوضح أثر الدعم النسائي المتبادل على تشكيل الشخصية النسائية.
وفي نهاية الرواية، تختتم حنان رحلتها، بترك التعلق بالمال إلى أولوية الأسرة والعودة، وقد أظهرت النهاية أن كل ما تعلمته حنان من تجارب من حولها ومن حياتها الخاصة جعلها تجيد التعامل مع تقلبات الحياة وتحدياتها.
وختاما، توضح هذه الدراسة أن الغربة في الرواية تجربة حياتية متعددة الأبعاد، شكلت شخصية البطلة من خلال مواجهتها متنوعة: إدارة الأسرة، مواجهة ضغوط الحياة اليومية، التعامل مع مرض الزوج، وتحمل المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية. هذه التحديات صقلت شخصيتها، ومنحتها قدرة على اتخاذ قرارات واعية، وحماية هويتها النسائية المستقلة.

.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي