loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

آرزو سالاری: ناقلة صرخة الأسير الفلسطيني باسم خندقجي إلى القارئ الإيراني

breakLine
2026-08-19

 


د. فاضل علي/كاتب عراقي

حين يُسجن الجسد ويبقى النص حرّاً، تتضاعف مسؤولية من يحمل ذلك النص إلى لغة أخرى. وبالنسبة إلى الكاتبة والمترجمة الإيرانية آرزو سالاری، المنحدرة من أصول كرمانية وطالبة الدكتوراه في فلسفة الفن بجامعة طهران للفنون، لا تعني الترجمة مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل محاولة لأن يعبر "الآخر" حدود اللغة والهوية من دون أن يفقد شيئاً من حقيقته. فالمترجم في نظرها لا يقف بين لغتين فحسب، بل بين عالمين؛ عليه أن يظل وفياً للغة الأصل إلى الحدّ الذي لا يخمد فيه صوت الآخر، ومتمكناً من لغة الوصول إلى الحدّ الذي يجعل ذلك الصوت، حين يصل إليها، حياً وطبيعياً لا غريباً ولا مشوَّهاً. من هنا تتجاوز الترجمة عندها كونها فناً أدبياً لتصبح مسألة أخلاقية بامتياز.

وما يميّز تجربة سالاری هو ذلك الجمع النادر بين حسّين لغويين متكاملين: فهي من جهة روائية تكتب بالفارسية، تمتلك ناصية لغتها الأم وتطوّعها في نصوصها الإبداعية الخاصة، ومن جهة أخرى قارئة وحافظة للقرآن الكريم، ما جعلها تتقن العربية من أعمق منابعها لا من سطحها. هذا التوازن بين اللغتين هو ما يمنح ترجماتها تلك الحساسية اللغوية والروحية النادرة التي تنعكس في نثرها الفارسي الفصيح الدقيق.

ومنذ سنوات، تتابع سالاری الأدب العربي لا بوصفه نصوصاً قابلة للنقل فقط، بل عالماً حياً من التجربة الإنسانية والألم والذاكرة والمنفى والحرب والحب.

ومن بين الكتّاب الذين ترجمت أعمالهم، يحتل اسم الروائي الفلسطيني باسم خندقجي -الأسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي، والفائز بجائزة البوكر العربية لعام 2024 عن روايته «قناع بلون السماء»- مكانة خاصة ومحورية. فخلال سنوات أسره، تابعت سالاری أدبه ومسيرته من الخارج، وكتبت عنه في الصحافة الإيرانية، ساعيةً إلى مدّ جسر بين كاتب يكتب تحت القيد والقارئ الفارسي، قبل أن تتطوّر هذه الصلة إلى ترجمة متخصصة لأعماله، لم تواجه فيها النص وحده، بل واجهت أيضاً مصير صاحبه. نقلت سالاری إلى الفارسية حتى الآن ستة أعمال لخندقجي: الجزأين الأول والثاني من «قناع بلون السماء»، إضافة إلى «نرجس العزلة»، و«خسوف بدر الدين»، و«أنفاس قصيدة ليلية»، و«مراسم المرة الأولى» -وهي الأربعة الأخيرة قيد المراجعة لدى وزارة الثقافة والإرشاد الإيراني، ويُنتظر صدورها جميعاً بحلول نهاية الخريف.

وتنظر سالاری إلى ترجمة أعمال خندقجي بوصفها امتداداً للسؤال نفسه الذي تطرحه في أطروحتها لنيل درجة الدكتوراه: كيف يمكن للألم أن يفتح إمكانية خلق الجميل؟ فموضوع أطروحتها، «تأثير الألم في إمكانية خلق الجميل، مع التركيز على أعمال باسم خندقجي»، يكشف كيف تحوّل الأدب عندها من موضوع دراسة إلى ساحة لمواجهة الإنسان مع ألمه: الكاتب يكتب من قلب الألم، والمترجم يعبر بذلك الألم حدود اللغة، والقارئ في لغة أخرى يجد إمكانية لسماعه.

وترى سالاری أن الأدب الفلسطيني ليس مجرد قصص وروايات، بل ذاكرة بقيت في اللغة، وقد تحمل كل كلمة فيه تاريخاً كاملاً؛ فإن أخطأ المترجم في التعامل معها، ضاع جزء من حقيقة النص. لذلك فإن المترجم عندها ليس مجرد وسيط، بل أمين على الذاكرة، والأمانة في الترجمة لا تعني الارتهان للكلمة بل الوفاء لروح النص، بحيث لا تكون الترجمة نسخة باهتة من الأصل بل حياة جديدة للعمل نفسه في لغة أخرى.

ولم يكن خندقجي وحده من استحق هذا الاهتمام؛ فقد ترجمت سالاری للروائي العراقي أزهر جرجيس روايتيه «وادي الفراشات» و«حجرة السعادة»، اللتين توّجت نسختاهما الفارسيتان بجائزتي "آريا" و"باتريس لومومبا" الدوليتين على التوالي، كما نقلت رواية «يا مريم» للروائي العراقي سنان أنطون، وتعمل حالياً على ترجمة رواية «أعوم ضد التيار» للجزائري سعيد خطيبي، الفائزة بجائزة البوكر العربية هذا العام. أما في الإنجليزية، فترجمت إلى الفارسية رواية «فيل بلفاست» للأمريكية إس. كيرك والش، ورواية «قلب الرمادي» لعبد الرزاق قرنح، الحائز على نوبل للآداب عام 2022.

وتمتدّ سيرتها المهنية إلى أكثر من عقدين، إذ بدأت منذ عام 2005 بترجمة مقالات متفرقة لمجلات إيرانية عدة، من بينها "تغذیه" و"مهرآب" و"نگاه ملل" و"همشهری"، قبل أن تتخصص لاحقاً في نقل الرواية العربية بثقلها الإنساني.

وإلى جانب الترجمة، تحضر سالاری كاتبةً أصيلة في المشهد الفارسي؛ فروايتها «الزجاج» حازت جائزة "آراز" الدولية، ومجموعتها القصصية «بين آبان وحافظ» فازت بجائزة الدكتور عبد الحسين زرين كوب الإيرانية المرموقة، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين أخريين وسيناريوهين سينمائيين -وهو ما يمنح ترجماتها حسّاً روائياً داخلياً، لا نقلاً حرفياً بارداً.

ولعل رسالة الترجمة، كما تفهمها سالاری، ليست سوى هذا: أن تنقذ صوت الآخر من الضياع في الطريق إلينا، وأن تمنح صوتاً نشأ في جغرافيا بعيدة، أو في سجن بعيد، أو في ذاكرة جريحة، فرصة لأن يصل إلى لغة أخرى ويظلّ، رغم عبوره، هو نفسه. بهذا المعنى، تقف آرزو سالاری اليوم كواحدة من أهم الأصوات الفارسية التي تترجم الألم قبل أن تترجم الكلمات، ناقلةً صرخة الأسير الفلسطيني باسم خندقجي إلى وجدان القارئ الإيراني.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي