مقالات ادبية واجتماعية وفنية
وسام كنعان/كاتب سوري
في العصر العباسي، حزم الشاعر ابن زريق البغدادي حقيبة سفره، وقصد طريق الرزق إلى الأندلس. ورغم رجاءات زوجته بالعدول عن فكرته، أصرّ عليها وغادر، ليكسر قلب حبيبته، ويتركها غارقة في دموعها على فراقه.
وصل الأندلس ولم يحقق غايته، فكتب واحدة من أشهر قصائد ذاك العصر بعنوان «لا تعذليه»، يقول فيها:
«أُعطيتُ مُلكاً فلم أُحسن سياستهُ، وكلُّ من لا يسوسُ المُلكَ يخلعُهُ... ومن غدا لابساً ثوبَ النعيم بلا شكرٍ عليه، فإنَّ اللهَ ينزعُهُ».
القصيدة، التي يعرفها كل من قرأ الشعر العربي، تُعتبر من أشهر قصائد الفراق والاعتراف. ووفق الرؤية النقدية، فإنها مثال نموذجي لإنسان يراجع خياراته ويدفع ثمنها، لا شاعر يستعرض براعته.
لن يخطر في بال أحد، أن تلك الأبيات ستغيّر مجرى حياة ممثلة سورية بعد مرور مئات السنين على كتابتها، بل ستأخذ بيدها من كلية الحقوق في جامعة تشرين إلى العاصمة دمشق.
بدأت الحكاية مع الممثلة السورية الشابة صفاء سليمان، عندما كانت طالبة في كلية الحقوق، ولم تكن تنسجم مع ما تدرسه. حاولت استرجاع طفولتها، عندما كانت تجيب عن السؤال التقليدي الذي يُطرح في المدارس: ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ وكانت الإجابات ولا تزال جاهزة، إما أطباء أو مهندسين أو محامين، أو مدرسين في أفضل الأحوال.
أما هي، فكان جوابها يترك الدهشة في عيون زملائها ومعلميها، إذ كانت تجيب: أريد أن أصبح ممثلة.
وكل ما تعرفه عن التمثيل آنذاك هو أن تجعل الآخرين يمثلون ما ينجزه خيالها الطفولي من تمثيليات بسيطة، تكون هي بطلتها ومخرجتها. لاحقاً ومع تعاقب الأيام بدأ الحلم يتقهقر وينهار حتى ظنت أنه تلاشى! لا لشيء سوى نظرة المجتمع المتعالية أو الأحكام المسبقة، لذا صارت تختبئ وراء شغفها الدفين، وتردد أنها تأمل أن تصبح إعلامية. مرت السنوات، والتحقت بكلية الحقوق مبتعدة عن طموحها الآسر. وفي أمسية امتحانية، كانت تتحضر فيها لاختبار اللغة العربية خلال إحدى سنوات دراستها، قرأت أبيات الشاعر العباسي، فتخيّلت نفسها برفقة نجوم الدراما التاريخية السورية، وبدأت تلقي القصيدة عليهم، لا كمن يحفظها ليقدم بها امتحاناً جامعياً، بل كمن يؤديها على خشبة مسرح أو أمام كاميرا التلفزيون.
لم تمضِ ساعات حتى كانت قد اتخذت قرارها بأن تلقي كتب الحقوق جانباً، وتبحث عن مخرج للحلم الذي حاولت لفظه، لكنه ظل ينمو داخلها أكثر دون أن تدرك ذلك!
قصدت دورة للتقديم التلفزيوني في محافظتها اللاذقية، فقيل لها إنها تملك صوتاً خاصاً وحضوراً أمام الكاميرا. فقررت الانتقال إلى العاصمة دمشق، والتحقت بكلية الإعلام. ومن هناك، بدأت تخضع لدورات في الصحافة الفنية، ثم اشتغلت في الإعلانات، إلى أن وصلت إلى بوابة حلمها مع مسلسل «فرسان الثلاثة» (كتابة محمود الجعفوري وإخراج علي المؤذن).
وقفت أمام أيمن زيدان، بعظمة تاريخه كممثل، ولم تكن التجربة بأفضل أحوالها بالنسبة إليها لقلة الخبرة آنذاك. ومن ثم توالت الأعمال، وتلقت إشادات من مخرجين، رغم صغر الأدوار التي كانت تؤديها، إلى أن بدأت الفرص تتوسع، وكانت تتلقفها وتصر عليها، فيما كان المخرجون يؤكدون أنها ستكون معهم في مساحات أوسع.
وبين الفينة والأخرى، ونظراً إلى صعوبة ظروف الحياة، قصدت العمل في لوحات درامية لمنصة «شوف»، باعتبارها مراناً دائماً أمام الكاميرا، وربما مصدراً للدخل يقيها شر العمل في مسلسلات هابطة.
لاحقاً، اشتغلت مع مؤمن الملا في مسلسل «أغمض عينيك» (كتابة أحمد الملا ولؤي النوري)، وبدأت الأدوار تأتيها تباعاً.
لكن ذلك تزامن مع فترة سقوط النظام البائد، وكان الموسم الرمضاني على الأبواب. كانت قد أُسندت إليها عدة أدوار رئيسية، وصوّرت بعض مشاهدها، لكن لعبة القدر تآلفت مع الحظ العاثر عندما تعرضت لحادث سير قاسٍ جعلها تلازم الفراش قرابة السنتين. وخضعت لمجموعة من العمليات الجراحية، وكانت على وشك الدخول في أزمة نفسية شديدة، لولا إحاطة الأصدقاء، وصلابة إرادتها وتصميمها.
عادت إلى دمشق كمن يبدأ من جديد. قصدت معهد «دراما رود»، وتتلمذت على يد المخرجة المرموقة رشا شربتجي، وتخرجت على يد المسرحي كفاح الخوص، في عرض لفتت فيه الأنظار، وقالت من خلاله إنها تريد أن تبني مجدداً.
ليأتي هذا الموسم بمثابة استحقاق لموهبة واعدة، وإرادة واضحة، وحلم طفولة لم تستطع سنوات الخراب السورية أن تطفئه أو تخفف من وهجه.
هذا العام، وبعد أن جرّبها الليث حجو في دور بسيط في مسلسله «العاصي»، وربما نالت إعجابه، بدأت تصوير دورها في مسلسل «ما اختلفنا» (مجموعة كتّاب وإخراج وائل أبو شعر). وستلعب أمام كاميرا أستاذتها رشا شربتجي، في دور خاص بمسلسل «كولومبيا» (كتابة سامر رضوان)، إلى جانب مجموعة كبيرة من النجوم، منهم باسل خياط وعباس النوري وخالد شباط ومحمد حداقي ونادين تحسين بيك وريم نصر الدين وآخرون. إلى جانب عملها مع المخرج تامر إسحاق في «آدو وأولادو» (كتابة زهير الملا وعلاء المهنا، وبطولة عابد فهد وفارس الحلو ودانييلا رحمة).
وستكون أيضاً حاضرة في الدراما الشامية، التي اختبرت الأداء فيها بشكل جيد من خلال لوحات «حارة شوف»، مع إمكانية حضورها في عمل كوميدي جماهيري.
هكذا، وجدت صفاء سليمان في أبيات شاعر عباسي ما قادها إلى الحلم الذي ظلّ يسكنها، لتكتب اليوم فصلاً جديداً من حكايتها، لكن هذه المرة أمام الكاميرا..

.jpeg)
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي