loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

مرايا الخراب العراقي في رواية (ليلة المعاطف الرئاسية) للكاتب محمد غازي الأخرس

breakLine
2026-06-12

علاء أحمد الشاهين
ناقد | عراقي

 


في روايته (ليلة المعاطف الرئاسية) يكتب محمد غازي الأخرس نصاً روائياً يقوم على تفكيك الرعب العراقي بعد 2003، لكنه لا يقدمه بوصفه حدثاً سياسياً مباشراً، بل يحوله إلى كابوس جماعي تتداخل فيه الفانتازيا مع الواقع، حتى تبدو الشخصيات وكأنها تتحرك داخل عالم نصفه حي ونصفه الآخر مدفون تحت الخراب والخوف. الرواية لا تعتمد على الحكاية التقليدية بقدر اعتمادها على خلق مناخ خانق، عالم من الظلال والاختفاءات والكوابيس، حيث يصبح الإنسان العراقي كائناً مطارداً حتى داخل ذاكرته الخاصة. وقد وصفها بعض النقاد بأنها تنتمي إلى ما يسمى بـ(الأدب الوحشي) أو (الأدب الكابوسي) بسبب مزجها العنف الواقعي بالخيال الفانتازي الأسود. 
تقوم الرواية على محورين سرديين متداخلين، محور واقعي شديد القسوة يتمثل في حكاية مدير المدرسة الباحث عن أولاده المخطوفين، ومحور فانتازي غرائبي يتمثل في شخصية (الخاتون) والعالم الغامض المحيط بها. وبين هذين الخطين يتحرك الراوي بوصفه شاهداً ومراقباً ومشاركاً في آن واحد، ليصبح السرد أشبه بمرآة مكسورة يرى القارئ عبر شظاياها صورة العراق الممزق.
في الخط الواقعي تظهر شخصية مدير المدرسة بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات مأساوية في الرواية. إنه رجل بسيط تحولت حياته إلى رحلة عبثية بحثاً عن أبنائه المخطوفين وسط مدينة تبتلع أبناءها بلا أثر. لا يتحول المدير إلى بطل خارق، بل يبقى إنساناً مسحوقاً، يتآكله الخوف واليأس، ويعيش على أمل هش بأن أبناءه ما زالوا أحياء. ومن خلال هذه الشخصية ينجح الأخرس في تصوير المأساة العراقية اليومية، ففعل الخطف هنا ليس حدثاً فردياً بل بنية رعب كاملة تحكم المجتمع.
ويبدو المدير في الرواية أقرب إلى شخصية تراجيدية إغريقية، كلما اقترب من الحقيقة ازداد ضياعه، وكلما حاول استعادة أولاده اكتشف أن المدينة نفسها تحولت إلى متاهة من الدم والفساد. إن بحثه ليس بحثاً عن الأبناء فقط، بل بحث عن معنى العدالة في عالم فقد كل معاييره الإنسانية. لذلك تأتي لغته محملة بالانكسار والرجاء المتآكل، وكأن الشخصية تسير فوق حافة الجنون.
ومن أكثر اللحظات تأثيراً في هذا المسار تلك المقاطع التي يستعيد فيها المدير صور أولاده الغائبين، إذ تتحول الذاكرة إلى نوع من العذاب الداخلي. يقول في أحد المقاطع:
(كان يخاف أن ينسى وجوههم أكثر مما يخاف موتهم.)، هذا النوع من الجمل يختصر جوهر الرواية، فالخوف الحقيقي ليس الموت بل التلاشي، أن يتحول الإنسان إلى مجرد اسم مفقود في مدينة اعتادت الاختفاءات.
أما الخط الفانتازي فيتمثل بشخصية (الخاتون)، وهي من أكثر شخصيات الرواية غموضاً وتركيباً. لا تظهر الخاتون كشخصية واقعية خالصة، بل ككائن أسطوري يطفو بين الحقيقة والوهم، أشبه بأرملة للخراب العراقي أو روح مدينة منكوبة. إنها شخصية تحمل بعداً رمزياً كثيفاً، فهي الأم والحبيبة والشبح والوطن في آن واحد. وكلما ظهرت في الرواية ازداد الإحساس بأن الواقع نفسه يفقد منطقه الطبيعي.
الخاتون ليست مجرد امرأة، بل تمثل سلطة الغموض داخل النص. فهي تتحرك في فضاء معتم، وتحيطها الحكايات والإشاعات والكوابيس، حتى تبدو وكأنها خرجت من الأساطير الشعبية العراقية. ومن خلالها يدخل النص إلى منطقة الفانتازيا السوداء، حيث تختلط الأرواح بالأحياء، وتصبح المدينة مسكونة بأشباح ضحاياها.
وقد نجح الأخرس في جعل هذه الشخصية مركزاً لخلق التوتر السردي، إذ لا يعرف القارئ إن كانت الخاتون خلاصاً أم لعنة، حقيقة أم وهماً. وهذا التذبذب يمنح الرواية قوتها الجمالية، لأن الفانتازيا هنا ليست هروباً من الواقع، بل طريقة أخرى لفضحه وكشف بشاعته.
وفي أحد المقاطع التي تصف حضورها الغريب يقول السرد: (كانت تدخل المكان فيبرد الهواء فجأة، كأن الموت يمر قرب الجدران)، إن هذه اللغة المكثفة تمنح الرواية طابعاً شعرياً كابوسياً، وتجعل الشخصيات تبدو محاصرة داخل عالم غير مستقر، عالم يمكن أن ينقلب إلى حلم مرعب في أي لحظة. 
لقد استطاع الأخرس أن يبني روايته على مفارقة أساسية: كل شيء يبدو غير معقول، لكنه في الوقت نفسه شديد الواقعية. وهذا ما يجعل النص قريباً من أعمال عراقية أخرى تناولت العنف والفوضى، مثل فرانكشتاين في بغداد ومشرحة بغداد، إلا أن ليلة المعاطف الرئاسية تنفرد بطابعها الكابوسي القائم على الأسطرة والسخرية السوداء.
إن الرواية في جوهرها ليست عن الخطف أو الموت فقط، بل عن تحطم الإنسان العراقي تحت ضغط الرعب اليومي. فالشخصيات كلها تبدو وكأنها ترتدي (معاطف رئاسية) تخفي هشاشتها وخوفها وعجزها. وحتى العنوان نفسه يحمل سخرية مريرة؛ إذ تتحول (المعاطف الرئاسية) إلى رمز للسلطة والهيبة الزائفة في بلد ينهشه الخراب.
لقد قدم محمد غازي الأخرس رواية شديدة القتامة، لكنها عميقة الإنسانية، رواية تجعل القارئ يشعر أن العراق في تلك المرحلة لم يكن بلداً يعيش الحرب فقط، بل بلداً يعيش داخل كابوس مفتوح لا نهاية له. لقد استطاع الأخرس أن يحول الرعب اليومي إلى مادة أدبية عالية الكثافة، وأن يخلق نصاً تتجاور فيه الأسطورة مع الواقع، والهلوسة مع التاريخ، والإنسان مع شبحه الشخصي.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي