مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناريمان علوش
كاتبة | لبنانية
هل نحن أمام جيل يعرف كل شيء... لكنه لا يقرأ شيئًا؟
لم يعد الجهل في عصرنا ناتجًا عن ندرة المعلومات، بل عن وفرتها.
فبين فبين هاتفٍ ذكيٍّ يختزل العالم في راحة اليد، وإشعارٍ يقطع التفكير، وخوارزميةٍ تقرّر ما نراه قبل أن نختاره، أصبح الإنسان يملك وصولًا غير مسبوق إلى المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يبتعد عنها أكثر من أي وقت مضى.
جيل اليوم يعرف أسماء الحروب، لكنه لم يقرأ تاريخها.
يعرف اقتباسات الفلاسفة، لكنه لم يفتح كتبهم.
يعرف عناوين الروايات، لكنه لم يعش بين صفحاتها.
يحفظ نتائج الدراسات، لكنه لم يسأل يومًا كيف أُجريت.
لقد تحوّلت المعرفة من رحلةٍ طويلة إلى ومضةٍ عابرة، ومن بناءٍ تراكمي إلى مقطعٍ لا يتجاوز دقيقة واحدة.
لم تعد القراءة منافسةً لوسائل الترفيه، بل أصبحت تنافس سرعة الإصبع وهو ينتقل من فيديو إلى آخر.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الجيل لا يشعر بأنه يفتقد شيئًا. فكلما احتاج معلومة وجدها في ثوانٍ، حتى ظنّ أن امتلاك القدرة على البحث يساوي امتلاك المعرفة، وأن مشاهدة ملخص كتاب تعادل قراءته، وأن متابعة نقاش حول فكرة تغنيه عن التأمل فيها.
لكن المعرفة ليست ما تختزنه الذاكرة من معلومات، بل ما يهضمه العقل منها. المعرفة هي الصبر على الفكرة حتى تكشف وجهها الآخر، وهي القدرة على الربط بين الأحداث، وعلى الشك، والسؤال، وإعادة التفكير. وهي مهارة لا تمنحها الخوارزميات، ولا تصنعها المقاطع القصيرة، ولا تختصرها العناوين المثيرة.
القراءة لا تزيد الإنسان معلومات فحسب، بل تعيد تشكيل طريقته في التفكير. تمنحه لغةً أدق، وخيالًا أوسع، وحكمًا أكثر توازنًا. أما الاكتفاء بالاستهلاك السريع للمحتوى، فيمنح شعورًا زائفًا بالامتلاء، فيما يترك العقل جائعًا إلى العمق.
لسنا أمام جيل أقل ذكاءً من الأجيال السابقة، بل أمام جيل يعيش في زمنٍ يفيض بالمعلومات ويعاني في الوقت نفسه من ندرة التركيز. يعرف الكثير عن أشياء كثيرة، لكنه نادرًا ما يغوص في واحدة منها حتى النهاية.
وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الحقيقي: كم يعرف الإنسان؟
بل: كم مما يعرفه فهمه حقًا؟
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي