loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

مالذي تبقى من العراق؟

breakLine
2026-08-27

 

شوقي كريم حسن |كاتب عراقي

 


(الصدق الكاذب)

رحم الله طيبة الذكر والسيرة، المغنية المعتبرة ريم.. وهي تعاتب طيب الروح داخل حسن: «أدور عل الصدك يا ناس… ضاع، وبعد وين ألگاه؟»
منذ ذلك الزمن، وريم تبحث عن الصدق. يبدو أنها  تعرف، من يومها، أن الرحلة لن تكون قصيرة. مرت السنوات، وتغيرت الوجوه وتبدلت الحكومات، وظهرت شاشات التلفزيون، ثم الفضائيات، ثم مواقع التواصل، ثم صار المواطن يستيقظ على تصريح، وينام على تصريح، وبين التصريح والتصريح يكتشف أن الحقيقة أخذت إجازة مفتوحة. نحن الآن في زمن العجائب والمصائب.
زمن صار فيه المستر غوبلز، في المخيال السياسي، معلماً لكثير من محترفي الكلام، حتى وإن لم يقرأ بعضهم سطراً واحداً مما نُسب إليه.
أكذب… ثم كرر الكذبة… ثم ابتسم أمام الكاميرا. والأجمل من الكذبة نفسها أن تقولها بوجه جاد!
إذا قلتَ للمواطن:
—الوضع ممتاز.
نظر إلى بيته، فلم يجد كهرباء.
ثم نظر إلى جيبه، فلم يجد مالاً.
ثم نظر إلى الثلاجة، فلم يجد فيها إلا عبوة ماء تنتظر دورها في التبريد.
ثم عاد إلى الشاشة وقال:
— ممتاز جداً… بس ممتاز وين؟
هنا تبدأ الكوميديا العراقية. الحكومة تكذب. المواطن يعرف أنها تكذب.
الصحفي يعرف أن الحكومة تكذب.
المسؤول يعرف أن الصحفي يعرف.
المواطن يعرف أن المسؤول يعرف أن الصحفي يعرف. ومع ذلك تستمر الحلقة!
حتى مولير ، لو عاش بيننا، لقال:
— «يا جماعة، أنا أكتب كوميديا أم أفتح مكتباً للاستشارات السياسية؟»
وبرنارد شو ربما يجلس أمام التلفاز عشر دقائق، ثم يغلقه ويقول:
— أعترف… أنتم تجاوزتم حدود الخيال.
أما العراقي، فقد اخترع مدرسة جديدة في التعامل مع الكذب. لا يصدق يضحك عليه.وهذه واحدة من أعظم قدرات هذا الشعب.
يُقال له:
— غداً تتحسن الخدمات.
يقول:
— إن شاء الله، بس أي غد.. غد التقويم الميلادي لو الهجري؟
ويُقال له:
— انتهت الأزمة.
فيجيب:
— أي أزمة؟ لأن عندنا قائمة طويلة.
ويُقال له:
— تم القضاء على الفساد.
يضحك حتى يبكي. ليس لأنه لا يفهم.
بل لأنه يفهم أكثر مما ينبغي. المشكلة ليست أن الشعب صدّق الكذبة. المشكلة أنه لم يعد ينتظر الصدق أصلاً.صار الكذب خبراً. والخبر نكتة.
والنكتة وسيلة للبقاء. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.حين يتحول الكذب من جريمة إلى عادة. وحين يصبح الصدق خبراً غريباً يستحق التداول.تسمع أحدهم يقول:
— فلان اليوم صادق.
تلتفت إليه مذعوراً:
— شنو بيه؟
يجيب:
— ما أدري… بس شكله مو طبيعي.
يا للعراق!
بلدٌ أصبح فيه الصادق هو المشتبه به.
والمسؤول الذي يقول الحقيقة يحتاج إلى حماية.
والذي يعترف بالخطأ يحتاج إلى لجنة.
والذي يعتذر يحتاج إلى مؤتمر صحفي. والذي يقول، لا أعرف.. يحتاج إلى دورة تدريبية في فنون الإدارة!
أما الذي يقول:
—كل شيء تحت السيطرة!
هو الرجل المناسب للمكان المناسب.
حتى لو كانت السيطرة الوحيدة التي يمتلكها السيطرة على المايكروفون.
ولذلك، لو عادت ريم اليوم وغنت:
أدور عل الصدك يا ناس…
فقد يجيبها العراقي من خلف الشاشة:
— لا تتعبين نفسك، يمّه… الصدك موجود، بس ما عنده واسطة.
وهنا،  تنتهي الأغنية.لكن لا تنتهي الحكاية.
لأن السؤال لم يعد:
—أين الصدق؟
السؤال أصبح أكثر قسوة:
—ماذا تبقى من العراق، إذا صار الصدق  يحتاج إلى من يدافع عنه؟
أما غوبلز ومولير وبرنارد شو، فليعذرونا. لقد وصلنا إلى مرحلة لم تعد فيها الكوميديا فناً.صارت نشرة أخبار. النهاية الأفضل أن تكون أكثر هدوءاً وقسوة، وتترك السؤال مفتوحاً بدل أن تنهيه بنكتة فقط: وفي آخر الليل، حين تهدأ الشاشات، وينتهي سيل التصريحات، ويبقى المواطن وحده مع عتمة بيته، ربما يتذكر أغنية ريم:
—أدور عل الصدك يا ناس… ضاع، وبعد وين ألگاه؟
وقد لا يجد جواباً. فالصدق لم يختفِ تماماً، لكنه صار غريباً في بلده، يمشي بحذر، ويطرق الأبواب فلا يفتح له أحد.أما العراق، فما زال هناك…
في ذاكرة الناس، وفي ضحكتهم، وفي قدرتهم العجيبة على تحويل المأساة إلى نكتة، والهزيمة إلى حكاية، والكذبة إلى سخرية.لكن الضحك لا يبني وطناً إلى الأبد. وفي لحظة ما، لا بد أن يتوقف العراقي عن الضحك، وينظر إلى نفسه ويسأل:
—هل بقي لنا من العراق ما يكفي لنصدقه؟.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي