loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

كيف نصنع الأمل؟

breakLine
2026-09-30

رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 

هناك أمل يشبه الدواء المسكّن أكثر مما يشبه العلاج: يخفف الوجع للحظة، ثم يتركنا وحدنا أمام الجرح نفسه، وربما أعمق مما كان. هذا هو الأمل الزائف الذي وصفه إريك فروم بدقة: تفاؤل أعمى يقنعنا بأن كل شيء سيكون على ما يرام دون أن نحرك ساكناً، فيتحول مع الوقت إلى متاهة ندور فيها حول أنفسنا. نجترّ الخيبة، فيتحول الاجترار إلى عادة، ثم تتحول العادة إلى شخصية كاملة لا تعرف طريقاً إلى الخارج. وكأن العقل، حين يعجز عن مواجهة الحقيقة، يبني لنفسه سجناً مريحاً ويقنع نفسه أنه بيت.
كلنا جرّبنا هذا النوع من الأمل: علاقة نعرف في أعماقنا أنها انتهت لكننا نمنحها فرصة أخرى "لعلها تتغير". صديق نواصل تبرير أفعاله لأننا معتادون على صورته القديمة في ذاكرتنا أكثر من حقيقته أمامنا. وطن أو مكان بعيد نُلبسه فضائل لم يعشها يوماً، ونشتاق حتى إلى تفاصيل كنا نشتكي منها حين كانت قريبة. المشكلة ليست في الحنين أو الانتظار بحد ذاتهما، بل في أنهما يعيدان تركيب الواقع على مقاس رغبتنا، فتكبر الأشياء الصغيرة أكثر من حجمها الحقيقي، بينما تُدفن تحتها الحقيقة الأصعب: أن الأمر انتهى، وأن الانتظار وحده لن يعيده.
الأدب الهولندي، البعيد نسبياً عن دائرة اهتمام القارئ العربي، يقدّم مواجهة نادرة الصراحة مع هذا الوهم بالذات. ليس أدباً يجامل القارئ بعزاء رخيص، بل أدب يشبه ضوءاً أبيض قاسياً يكشف التفاصيل دون رحمة، وربما لهذا يستحق أن يُقرأ أكثر. في رواية "الأمسيات" لخيرارد ريفه، وهي من أهم ما أنتجه هذا الأدب في القرن العشرين، يقضي شاب الأيام العشرة الأخيرة من عام كامل في الملل والانتظار، يراقب تفاهة الحياة من حوله بسخرية باردة لا تترك مجالاً لأي وهم يخفف وطأة الفراغ. لا كارثة كبرى تقع ولا خلاص قادم، لكن البطل يواجه هذا الفراغ مباشرة بدل الهروب منه إلى أمل مصطنع، وهذه المواجهة العارية هي مصدر قوة النص: الحقيقة، مهما كانت قاسية، أرحم من وهم مطوّل.
وفي كتاب "أنتِ تقولين ذلك" لكوني بالمن، إحدى أهم الأصوات الأدبية المعاصرة هناك، تعيد الكاتبة تفكيك علاقتها بالرجل الذي أحبته وفقدته، لتكتشف بعد رحيله أن جزءاً كبيراً مما بكته لم يكن الرجل نفسه، بل الصورة المثالية التي رسمتها له في داخلها، وهي صورة لم تكن يوماً مطابقة للحقيقة. هذا هو جوهر الأمل الزائف في الحب تحديداً: نقع في حب فكرة صنعناها عن الآخر، ثم نتألم حين يرفض الواقع أن يطابقها، ونظن أن الخطأ فيه بينما هو في تصورنا نحن. وفي "انزعاج المساء" لماريكه لوكاس رينفلد، تتحول عائلة كاملة بعد فقدان أحد أبنائها إلى نظام صارم من الصمت المتفق عليه ضمناً، وكأن السكوت سيحمي الجميع من الانهيار. لكن ما يحدث هو العكس: الألم لا يختفي، بل يُعاد إنتاجه كل يوم في طقوس صغيرة متكررة، حتى يصبح جزءاً من شخصية كل فرد في البيت، تماماً كما وصف فروم تحول الاجترار إلى نظام حياة كامل لا فكاك منه.
لكن السؤال الأهم يبقى: إذا كان هذا الأمل السلبي فخاً، فهل معنى ذلك أن اليأس هو البديل الوحيد؟ هنا بالتحديد يقدّم الأدب نفسه إجابة مختلفة تماماً، وأكثر صعوبة، لكنها أصدق: الأمل ليس شيئاً نتلقاه وننتظره، بل شيء نصنعه بأيدينا يوماً بيوم.
المثال الأوضح على ذلك يوميات إيتي هيلسوم، الكاتبة اليهودية الهولندية التي دوّنت يومياتها خلال سنوات الاحتلال النازي، وهي تعلم أن مصيرها قد يكون معسكر الاعتقال. لم تنتظر هيلسوم أن يتحسن الوضع الخارجي، فهي تعرف تماماً أنه لن يتحسن، بل قررت وسط الرعب الفعلي أن تصنع لنفسها انضباطاً داخلياً يومياً: أن تكتب، أن تلاحظ الجمال في تفصيل صغير، أن تتصالح مع خوفها بدل إنكاره. هذا ليس تفاؤلاً ساذجاً بأن الأمور ستنتهي بخير، بل عمل واعٍ لبناء معنى داخل كارثة لا سيطرة لها عليها. ماتت هيلسوم لاحقاً، ولم "ينجح" أملها بالمعنى الذي يتمناه القارئ، لكنه نجح بمعنى أعمق: أبقاها إنساناً كاملاً حتى اللحظة الأخيرة، بدل أن تتحول إلى مجرد ضحية منتظرة لمصير لا تملكه.
هنا يتضح الفرق الجوهري بين النوعين. الأمل الوهمي يقول: "سأنتظر حتى يتغير كل شيء من حولي." أما الأمل كصناعة فيقول: "سأتصرف اليوم بما يليق بي، بصرف النظر عما سيحدث غداً." الأول يعلّق مصيري بيد غيري أو بيد الصدفة، فيتركني هشاً أمام كل خيبة جديدة. أما الثاني فيعيد المصير - ولو جزئياً - إلى يدي أنا، ولا يحتاج أن تتحسن الظروف أولاً كي أبدأ به.
ولهذا فإن التخلي عن الوهم ليس دعوة لليأس، بل دعوة لنوع أصعب وأصدق من الأمل. أمل لا ينتظر أن يُهدى له شيء، ولا يحتاج صورة مثالية يتشبث بها حتى تتكسر، بل يُبنى خطوة صغيرة كل يوم، بفعل واحد ملموس، حتى لو كانت الظروف من حوله لا تعد بشيء على الإطلاق. النجاة من صدمة مفاجئة أمر ممكن، لكن النجاة من حلم جميل تبيّن أنه وهم منذ البداية تحتاج شيئاً أصعب: شجاعة الاعتراف بأن الانتظار وحده لا يبني شيئاً، وأن الأمل الحقيقي، في نهاية الأمر، ليس ما نتلقاه، بل ما نصنعه.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي