مقالات ادبية واجتماعية وفنية
نجيب كيالي
ناقد | سوري
يُشكِّل عنوانُ هذا الكتاب عتبةً ذاتَ إشعاع، ويضع بين يدي القارئ مفتاحاً ماسِيَّاً مُغرياً، وسَرعانَ ما تتحوَّل كلماتُه الأربع إلى مشهد سينمائي تخطر فيه فتاةٌ شرقيَّة على رصيف بلد أوربي. تُرى كيفَ سيكون حالها؟ وما الذي تحمله في صناديق جراحها؟
معَ الإبحارِ في النصوص الأولى يُسمعنا بحرُ الكلمات ضجيجَ موجاتِه، ويرشُّنا بالرذاذ، وتطالعنا الجرأةُ، والصدقُ، والتنوع، والذهابُ إلى الصَّميم خصائصَ لا تُخطئها العين في النصوص، وماذا تحتاج الكتابةُ غيرَ ذلك؟!
في نص: ولادة عاشقة نطَّلعُ على شيءٍ من محتوى صناديق الجراح، فنشهد مع الكاتبة مراسيمَ ولادة بنت، والعنوان فيه ما يشبه التحدي، ففي بلاد اللاعشق تجيءُ عاشقة! فكيفَ كان الاستقبال؟
(وأنا في بين يدي الداية
زغردتِ الجارة
تجهَّمتْ جدتي، أمُّكَ يا أبتِ
نفرتْ دمعةٌ من عين أمي.
ثمَّ تصفُ حالَ والدها: ورغمَ العُرف.. بسمتْ شفتاكَ يا أبتِ).
وعندما تبدأ الطفلةُ بالنمو، سريعاً يطلُّ المجتمع بقسوة مفاهيمه وتسلُّطِه من خلال الجارة التي تنصح الأمَّ بألا تلعبَ طفلتها في الشَّمس حتى تبقى بيضاءَ البشرة! وتتكرر وصايا الجارة حتى أن الطفلة صارت تخافُ الشمسَ! الجميل إنهاءُ النص بموت الجارة، وإعلانِ الحق في حياةِ الجسد وحبِّه. لماذا يستقبل المجتمع الشرقي الأنثى بهذا التجهم؟! لا تجيب الكاتبة، لكنها تضع السؤالَ في سياقٍ من السخونة والإلحاح تاركةً الفرصةَ لتفاعل القارئ، وكأننا أمامَ قول تشيخوف: (على الكاتب ألَّا يجيبَ على الأسئلة، بل أن يجعلنا نراها بوضوح).
ومن المحمول في صناديق الجراح كارثةُ بلدها سوريا، الذي جعلته الحربَ خرائبَ ومهجَّرين! يتحوَّل نص: منفى إلى إيكو نفسي يُرينا داخلَها الكئيب، حيث انصرفتْ النفسُ عن كل شيء، وانطفأ فيها الشغفُ، ومات!
(ما عادت هناك مدنٌ تبهرني
ولا حضاراتٌ تأسرني
ما عاد شِعرٌ يجذبني
فنزيفُ جرحِكَ يا وطني
حوَّلني كُلّي لمنفى).
لا شكَّ أنَّ النصَّ من وراء موتِ الذات أو تدميرِها يُطلقُ صرخاتِ احتجاج في وجه الحروب التي عادت في العقود الأخيرة في شكلِ غولٍ يختبئُ في داخله أصحابُ المصالح ليفترسَ الأوطانَ وأبناءَها!
ثمَّ ترسمُ لنا مشهداً رهيباً مخزوناً في الصناديق المذكورة، يجري فيه اغتصابُ طفلة! ينغرز المشهد كسكين في أرواحنا، ولا سيما أنَّ الأمر يشفُّ عمَّا هو أكبر منه عن وطن أو قضية جرى انتهاكها:
(سمعتُ يوماً
أنَّ هناك فتاةً حلوة
كانت عسلاً، كانت سُكَّرْ...
فجأةً جاءَ رجلٌ غريبُ المظهر
بشعُ السَّحنةِ والمعشر
قال تعالي نلعب في أروقة الليل
إلى أن تقول:
كشَّر عن أنيابه ذاك الخائن
دمَّرَ حلمَ الطفلة).
ولعل الجانبَ الأجمل في هذا الكتاب هو الحديثُ عن العشق، إنه نقلةٌ من صناديق الجراح إلى عالَمٍ مرصَّعٍ بالشموس، متأججٍ بالعطور، كما نتصوَّر، تتناول هذا الأمر في نصوص تجاوزت العشرة: إن لم نعشق، مَنْ يفتح قلبَكِ، في العشق، كأنكِ يوماً لم تعشقي، حالةُ عشق، العاشق الأخير، أسئلة الغياب، إلخ. الحفاوةُ بهذا الموضوع دليلُ عافية نفسية، وربما فيه مؤشرٌ على أنَّ الأنثى التي غادرتْ شرقَها غادرتْ زجرَهُ، ولم تعد تخاف عينَهُ الحمراء وهو ينظر إلى الحب، ولعل كلمة: عِشْق التي استخدمتها الكاتبة أكثرَ من كلمة حب أقوى في الدلالة على العاطفة المتأججة، وأقربُ إلى العلاقات المعاصرة التي لا تنكر دورَ الجسد، لكنَّ هذا العشقَ يبقى أكثرُهُ بعيدَ المنال عن امرأةٍ متأهبةِ الروح، تظلُّ في ليالي السبت الأوربية دونَ أحد:
(وكما تعرف
ليس من السَّهل يا صديقي أن تمرَّ ليلةُ السَّبت في أوربا دونَ حبيب.
تتعطَّر
تتأنَّق
تتزيَّن
كعروسة ليلة الخميس في بلدي
تركضُ هائمةً على وجهها تبتسم في وجوه المارة
إلى أن تقول:
تعاند دمعاتِها
بمحاولة إقناع نفسها أن هناك أحداً ما
ستلتقيه مصادفةً على حافة الانتظار).
وفي نصوصٍ أخرى تعالجُ صورةَ عاشقٍ موجود، لكنه خائفٌ من عشقه، وممَّا يترتب عليه، فاختفى خلفَ حائطِ الغياب! غيرَ أنها في نص: حالة عِشْق تبلغ قمةَ كرَمِ المَحبَّة، فتشتهي أن تكونَ كريةَ دم حمراء لتدخلَ شرايينَ الشَّريك، وتقومَ بما تراه ضرورياً:
(أدخلُ بينَ شرايينكَ
أمشي في عروقكَ
أدغدغُ كفيكَ أولاً
أمشي وأمشي
أصلُ قلبَكَ
أُنظّفُ كلَّ الأسى العالِق).
نلاحظ هنا صورةً حيَّة لما قاله رولان بارت أنَّ النص (شبكة من العلامات)، فكلُّ كلمة تؤدي وظيفتين: وصفيةً ورمزية، والثانيةُ أهمُّ وأبلغ، ونجد العشقَ يتجلَّى في طبقاتٍ أغنى، فأغنى.
لكنني وقفتُ مرتبكاً أمام نص: في روحي غريب، ففيه رجلٌ لطيف، يتمتع بمواصفاتِ عاشقٍ نبيل، غيرَ أن المرأة تلقاهُ هكذا:
(صدّقني أنا لا أهتمّ..
لكلّ الورود التي أهديتَها
أو فكَّرتَ أن تهديها
لكلّ الكلمات الحلوة التي رسمتَها في مخيلتي
زَرْكشتَها
رتَّبتَها
ثمَّ في عُلب هدايا الروح غلَّفتَها)!
هل لأنه لا يطابقُ سماتِ الغريبَ الذي أخبرتها عنه عرَّافةُ روحها؟! أم أن النصَّ مكتوبٌ في حالة نزَقٍ، وضَجَرٍ من كلّ شيء؟
نظرة في طرق القراءة أو مناهجها:
تحتمل معظمُ نصوص الكتاب أكثرَ من قراءة وفقَ المنهج البنيوي الذي يهتمُّ بما تخلقه العلاماتُ من علاقاتٍ داخلية، فالمرأةُ تظهر في أحد النصوص كريةَ دمٍ حمراء، والعاشقُ قلباً يحتاج إلى تنظيف، ويحتمل القراءة الوجودية في رَسْمِه لألوان المعاناة، وما تطرحه من أسئلةِ الصراع ومحاولاتِ الفَكاك، ويلفتُ نظرَنا في المعمار الفني الاقتصادُ اللغوي الذي ساد النصوصَ كلَّها.
ولنا أن نسأل بعد هذا التطواف في الكتاب: هل نجحت هذه المرأةُ الشرقيَّة- وهيَ على أرصفة الغرب- في التخلُّصِ من حرائق روحها، وممَّا في صناديق جراحها من أوجاع ومخارز؟ ها هو جوابها:
(لستُ قويةً بما يكفي
لأغلقَ أبوابَ الحزنِ المرتطمِ بالرؤوس
التي تتدحرج كلَّ يوم على رصيف ذاكرتي
لستُ مجنونةً بما يكفي...
لستُ صغيرةً بما يكفي...
أنا هاربةٌ لستُ إلا
هاربةٌ تطالبُ بخلعِ وجهِ الظلم
خلعِ وجهِ البؤس
هاربةٌ من نفسي ليس إلا).
رغمَ هذا الاعتراف الذي يظنُّه القارئ انكساراً، لكنه- في رأيي- إقرارٌ بصعوبة الحسم في معركة المواجهة، وليس إعلاناً للانسحاب منها.
أخيراً.. حملَ إلينا هذا الكتاب طعماً مختلفاً في الأدب النسوي، ومن خلال معادلاتِ علاقاتٍ حيَّة لا تنظيراتٍ فارغة أزاحَ الستائرَ عن أماكنَ هشَّة، أو حسَّاسة أو ملتهبة أو عصيَّة، وأرانا صورةً لإنسانٍ بين عالَمين، يحاولُ أن يكونَ حصاناً يقفز من وديان جراحه إلى تلال النُّور، والمحبَّة، والحياةِ الأجمل.


...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي