loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

قراءة في كتاب "مجزرة قصور صدام حسين في تكريت" لقيس حسن

breakLine

 

د. فاضل علي/كاتب وباحث عراقي


يصدر كتاب قيس حسن، عن دار نابو البغدادية في أربعمائة صفحة، في توقيت لا يخلو من دلالة: بعد أكثر من عقد على وقوع مجزرة سبايكر، حين بدأت الذاكرة الجمعية تميل إلى الاختزال والتبسيط، وحين صارت المجزرة رقماً يُستدعى في المناسبات أكثر مما هي جرح مفتوح يستحق أن يُروى من جديد. هنا تكمن أهمية هذا العمل: أنه لا يكتفي بإعادة سرد ما هو معروف، بل يعيد بناء الحدث من الداخل، عبر سنتين من البحث الميداني الذي طاف بين قاعدة سبايكر والقصور الرئاسية في تكريت وصولاً إلى سجن الحوت في الناصرية.
تسمية تحمل موقفاً اختيار المؤلف تسمية "مجزرة قصور صدام حسين" بدلاً من "سبايكر" ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو موقف تحليلي بذاته. فالمؤلف يرى أن المجازر تُنسب تاريخياً إلى مكان وقوعها لا إلى نقطة انطلاق ضحاياها، وفي هذا الاختيار إعادة توجيه للبوصلة السردية: من الجندي الذي غادر القاعدة، إلى المكان الذي شهد جريمته الأخيرة، وهو رمزياً القصور نفسها التي بُني عليها نظام صدام حسين.
بنية مزدوجة: الجذور والفاجعة

يتوزع الكتاب على قسمين متكاملين. الأول يعيد تفكيك سقوط الموصل في حزيران 2014، ويتتبع نشأة تنظيم داعش المالية والعسكرية قبل ذلك التاريخ، إلى جانب عوامل الضعف البنيوي في القوات الأمنية. هذا القسم التمهيدي ضروري لفهم القسم الثاني، الذي يغوص في تفاصيل المجزرة نفسها: مسار الجنود نقطة بنقطة من القاعدة حتى جامعة صلاح الدين ثم القصور، وأعداد الضحايا وتوزيعهم الجغرافي، ومصائر منفذي الجريمة.

حين يصبح الباحث شاهداً

ما يميز هذا العمل عن دراسات سابقة تناولت الحدث هو تعدد مصادر الشهادة: مقابلات مباشرة مع مدانين في سجن الحوت، ولقاءات مع عوائل الضحايا من بابل والكوت وبغداد، وفصل خاص عن جهود أهالي صلاح الدين الذين حاولوا إنقاذ الجنود. هذا التنويع في الأصوات يمنح الكتاب طابعاً يقترب من الرواية التوثيقية أكثر من التقرير الجاف، إذ لا يتعامل المؤلف مع الضحايا كأرقام، بل يعيد تركيب اللحظات الأخيرة لكل مجموعة بشرية بعينها.

وهنا يُطرح سؤال مشروع: أي أثر نفسي يتركه هذا النوع من الغوص في الذاكرة على الباحث نفسه؟ فمن يستمع إلى اعترافات القتلة، ويجلس في مجالس عزاء عوائل لم تُشفَ جراحها بعد، لا يخرج من هذه التجربة كما دخلها. الكاتب هنا ليس طرفاً في الحدث، لكنه يصبح، بحكم مهمته، طرفاً وجدانياً في استعادته.

### الاكتشاف الأكثر إثارة: من الداخل

من أهم إضافات الكتاب هو الفصل الذي يتتبع ما جرى داخل تنظيم داعش بعد المجزرة، حيث يكشف المؤلف كيف كان بعض ضباط الأمن السابقين في نظام صدام حسين، ممن انخرطوا في التنظيم، عاملاً رئيسياً في تدمير بنيته الداخلية عبر زرع الانشقاقات، وهي فرضية تفتح باباً بحثياً جديداً يتجاوز السرد المعتاد عن نهاية التنظيم بالقوة العسكرية وحدها.

قراءة أخيرة

يقع هذا الكتاب في تلك المساحة النادرة التي تلتقي فيها صرامة التحقيق الصحفي مع حساسية الكتابة السردية. إنه ليس توثيقاً لجريمة سبايكر فقط، بل محاولة لفهم النسق الاجتماعي والسياسي الذي جعل هذه الكراهية ممكنة أصلاً — من صدور المذبحة الأولى في القصور، إلى الأيدي التي حملت السلاح باسم تنظيم لاحق، ثم إلى النهر الذي حمل الجثث كرسالة إلى الأحياء. سعر الكتاب المادي زهيد، لكن كلفته البحثية والإنسانية أكبر بكثير من حجمه، وهو مرشح ليبقى أحد أهم المراجع التوثيقية لواحدة من أعنف صفحات العراق المعاصر.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي