مقالات ادبية واجتماعية وفنية
د.سعد سرحت/باحث لغويّ عراقي
تدخل فرضيّة دفع الشركة عن الأسماء في دائرة ما يسميه اللسانيون اليوم بالسمات الخلافيّة أو التمييزية، وهذه السمات غير محصورة بالجانب الصوتي الخلافيّ في اللغة كما هو شائع بين المختصّين، بل تشمل جوانب صرفية ونحوية ودلالية وتداوليّة وثقافيّة.
لا تخلو علوم العربيّة في التراث من نماذج وتطبيقات داخلة بقوة في هذا صلب هذه الفرضية، فما قدمه النحاة من أحكام تتعلق بأمن اللبس والحيلولة دون وقعه في علمي الصرف والنحو، وما قدّمه البيانيّون من قراءات تتعلق بالفروق النحوية والبيانية على سعتها في علم البلاغة، وما قدّمه الأصوليون من مقاربات جادة تتعلق بإمكان وقوع الشركة في الألفاظ والسبل الكفيلة بمنعها،وما قدَّمه المتكلمون من إسهامات في باب الأسماء والصفات الإلهيَّة, يشكّل كلّ ذلك جذورًا لهذه الفرضية التي نحاول هنا سحبها على جملة من الظواهر اللهجية المتعلّقة بالأسماء والألقاب عبر ثلاثة محاور.
أوَّلًا:(الله) الاسم الذي لا يُتصوَّر فيه الشركة
ما من شيءٍ في الكون إلّا ويُتصوَّرُ فيه شريكٌ ونظيرٌ وشبيهٌ، وما من علَمٍ إلَّا ويُتصوَّرُ فيه التّنكير إلّا اسمه تعالى(الله). فاسمه من أمارات وحدانيته، اسم مُعجِز، لا يقبل الإضافة، ولا يقبل التثنية، ولا يقبل الجمع، لذا قال في محكم كتابه من سورة مريم: ﴿ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا﴾ ؟!.
وحقًّا، فمن مظاهر الإعجاز في لفظ الجلالة (الله) أنّه لا يضاف، فلا يُقال_ والعياذ بالله_: (اللهك, اللهي, الله فلان) لأنّه العلَمُ الوحيد في الكون الذي لا يُتصورُ فيه التنكير والتعدد، فما من علمٍ إلا يتصوّر فيه التنكير.
قبل أيام سمعت شابين مترادفين يعتليان دراجة نارية، كانا يسيران برفق فسمعت شيئًا مما دار بينهما؛ يبدو أنّ أحدهما نسي شيئًا من مستلزمات التسكّع، فغضب الآخر فأوقف الدراجة على الفور، هنا أصاب البطء قدميّ لأسمع،فهذه فرصة ثمينة عند باحث أثنوغرافي ليخرج بزادٍ ثقافي مما سيدور بينهما، فأنا أحب التلصص الأثنوغرافي على هذه العينة من المجتمع العراقي، لعلّي ألتقط لفظة أو جملة تضاف إلى ذخيرتي الأثنوغرافية.
ممّا سمعت: (الطعن المتبادل بالأعراض بالأساليب المعهودة لدينا، ثمّ سبّ الذات الإلهية بألفاظ معهودة أيضا)فالمجتمع العراقيّ من المجتمعات التي ابتلاها الله بآفة الطعن بالذات الإلهية. لكنّ تعبيرًا قبيحًا لفت انتباهي ممَّا دار بينهما، ذلكم هو(كذا ...الله مالك) والعياذ بالله.
في اللهجة العراقيّة تُحْشرُ كلمة(مال) بين المضاف وما يضاف إليه من ضمائر الجرّ تعبيرًا عن التملّك، فيقال_مثلًا_:(السيارة مالتك) عوضًا عن(سيارتك). كما تأخذ موقع لام الملك وشبه الملك، فيقال(هذا مالي) أي هذا لي. نعم فهذه الكلمة تقابل كلمة (بتاع) في اللهجة المصرية وكلمة (حگ) في اللهجات الخليجية، فيقال:(كذا حگي) أي لي. و( حگ فلان).
بهذا أضاف لفظ الجلالة لصاحبه(الله مالك). شعرت عند سماعه بانقباض شديد في النفس والأذن معًا؛ لأن الكفر قبيح بالضرورة بأيّ لفظ كان، ولأنّه أستهدف وجهًا من أوجه إعجاز هذا اللفظ العظيم، فتعالى الله عما قال. ثمّ إنّ المترتب على هذا التعبير أمران: أولهما أنّ إضافة لفظ الجلالة تقتضي تعدد الذات الإلهية، والأمر الآخر يقتضي أنّ صاحبه على ملة غير ملته.
ثانيًا:( فلان الفلان) نزول اسم العلم منزلة النكرة
(فلان الفلان) استعمال شائع في الثقافة العربية، والمسمَّون بهذه الصيغة كثر، وذلك بإضافة(أل)على اسم الأب أو اسم الجد أو اسم الأم، مع أنَّ دخول الألف و اللام على الأعلام من قبيل الحشو، لأن الأعلام ليست في حاجة إلى تعريف, وهنا نريد أن نعرف ما قصة(أل) هذه الداخلة على العلم؟.
ليست(أل) ههنا ل(لمح الصفة )كما في الأسماء المنقولة عن الصفات، كأسماء الأئمة و الصحابة, والأولياء,كالحسن والحسين والعباس والفضل.....إلخ ؛ لأن لمح الصفة يعني لمح الأصل الذي نقلت عنه الكلمة قبل اكتسابها العلمية. إذ تدخل أل على أعلام غير منقولة أيضَا, فما الصلة بين لمح الصفة وإدخال (أل) على الأعلام غير المنقولة عن الصفات؟.
كما ليس من الدقة القول بأن( أل) هذه مخففة من(آل) التي تعني الأهل، لأن هذه الصيغة قد تشيع في أسر ما تزال في طور البناء وبالكاد تؤلف أسرة نواة بتعبير علماء الاجتماع.
فما الحل؟.
عندي أنَّ (أل)هنا تفيد زيادة في التعريف،والسبب هو التشابه الفظيع في الأسماء، ممّا استدعى ذلك إقحام أداة التعريف على أسماء الآباء والأجداد والأمهات بغية التمييز بين الأعلام المتشابهة, ذلك أن تكرار الاسم الواحد في الجيل الواحد، وكثرة أمثاله جيلًا بعد جيل، قد أدى إلى إنزال اسم العلم منزلة النكرة، ففي قرية واحدة تجد حشدًا ممَّن يسمون ب(محمد) إلى أن يبلغ التّشابه حدًّا يفقد فيه الاسم قدرته على تعيين مسماه، فيلجأون إلى إدخال(أل) على اسم الأب أو اسم الأم، زيادة في تشخيصه وأملاً في تمييزه،إلى أنْ شاع إدخال أداة التعريف على الأعلام.
ثالثًا:إضافة اسم العلم إلى نا المتكلمين
مع بدء السباق الانتخابي في العراق عادت ظاهرة إضافة اسم المرشح إلى ضمير المتكلمين(نا):( زيدنا, عبيدنا...إلخ). وهذه الظاهرة تستوقف أهل اللغة، وتقضّ مضجع المتمسكين المتزمتين بالقاعدة الشهيرة(لا يجتمع تعريفان في اسم واحد).
قول الناخب: (زيدنا) يصحّ؛ لأنه لا يضيفه إلى"أنا" الجماعة إلّا بعد أنْ يتصوره نكرةً لكثرة المسمَّينَ ب(زيد).كيف ذلك؟.
يتصوّر الإنسان في اسم العلم نكرةً في ظلّ استفحال ظاهرة تشابه الأسماء، ذلك أنّك إذا أردت تمييز مرشحِك زيدٍ عن الزيدينَ ينبغي أنْ تقدّر الاسم تقديرَ(مرشحنا المسمّى). كأنك تقول: مرشحنا المسمّى بزيد، لكنك تصلح اللفظ فتستغني عن أكثره مبقيًا على أقلّه(زيدنا) فبهذا تميّزه عن أشباهه٠
قد يسأل سائل: إنْ كان اسم مرشحك فردًا في الأمّة كلِّها و ليس له سَمِيّ، كأنْ يكون اسمه(ديزْ)(١) وتريد أنْ تُشهره، فهل تستطيع أنْ تستغني عن إضافته لضمير المتكلمين(ديزنا)؟.
لا تستطيع، لأنك حتمًا ستتخيل في اسمه الشركة، فالإنسان مجبول على تصور الأشباه والشركاء لكلّ شيء وإن لم يكن له مثيل وسمِيّ، فسبحان الذي لا نعلَمُ ولا نتصورُ له سَميًّا !.
رابعاً:عن الألف والواو المقحمتين في النسب
هنا أعقِّبُ على ما جاء في مرئيّة على لسان رئيس مجمع اللغة العربية بمكة المكرمة الدكتور عبد العزيز بن علي الحربي حين سُئل عن النسبة إلى مَكّة: أيصحّ أن نقول: مكَّاوي؟.فأجاب الدكتور إجابة غير دقيقة، من أنّ العامة لعلَّهم((تصوّروا أنّ مكة أصلها مكّاء، أو(أنهم تصوّروا) الهاء(=التاء) ألفًا، كما نقول في أبها أبهِيّ وأبهويّ, وأبهاويّ،...وكذلك ( جُدَّة) النسبة إليها جدّي وجدّاوي ...فجعلوها جدّاء...))
إنّ الأصل في اللقب_على ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار الأسدابادي_: ((ألَّا يلقب به إلّا واحد في العالم ليقع معنى التعريف به...لكنه وقع الاشتراك فيه، إمّا لأن الأشخاص كثرت وقلت الأسماء، أو(٢) وقع ذلك من غير قصد، فعند ذلك احتِيج إلى ضم الصفة إلى اللقب ليقع معنى التعريف بهما، ولولا الاشتراك لأغنى اللقب بمجرده عن ضم الصفة إليه...))(٣)
عندما تقع الشركة في اللقب يحتاج المسمى إلى صفة أخرى تميِّزه، لذا ترى اللهجات تلجأ إلى تحريف الكلم بالزيادة والنقص لدفع اللبس في الأسماء، فهي قد لا تشفع اللقب بصفة عند وقوع اللبس والشركة، بل تغيّر في بنية اللفظ، بدليل أنهم يقحمون حروفًا على الأسماء وفي الأسماء المنسوبة أو يحرّفونها بالنقص والزيادة(٤) عند وقوع الشركة.
في العراق_مثلًا_ نتراوح بين(بصريّ وبصراوي)وبين(شبليّ وشبلاوي), وبين(فتليّ وفتلاويّ), وبين(زيديّ وزيداوي), وبين (حسَنيّ وحَسْناوي), (كريميّ وكريماوي). وخذ_ مثلا_: العزَّاويّ نسبةً إلى عَزَّة، والقياس العَزِّي، مثل: غَزّة الغَزِّي، ولكن خشية أنْ يلتبس ب(العِزِّي) نسبة إلى(بني عِزّ). قالوا:العزَّاويّ.
كذا المحمداوي، نسبة إلى ألبو محمد, لعلهم أقحموا الواو ليتميزوا عن المحامدة (المِحمديّ) بكسر الميم، وهذه الكسرة أيضًا تشي بحاجة القبيلة إلى أن تميّز نفسها عن القبائل التي انتسبت إلى محمدين. والأمر كذلك في(علويّ وعلياويّ واعلياويّ) فالأول نسبة إلى سيدنا عليّ_كرم الله وجهه_ والثاني نسبة إلى عليّ أحد رجالات الاقطاع، والثالث نسبة إلى(اعْلَيّ =عُلَيّ تصغيرا) جد قبيلة من قبائل العراق. وكذا تسمع(عِلِي)بكسر اللام.
وهذا ما حصل في(مكّي_مَكَّاوي)(٥), وهما اسمان منقولانِ عن النسبة، إذ يكثر المصريون من التسمية ب(مَكِّي) تيمُّنًا، وعندئذ وقعت الشركة، فما كان منهم إلّا أنْ جاءوا بالألف والواو فارقتين، فقالوا:(مكَّاوي)، على غرار جبلاوي وعرباوي وسمّاوي.
كذا ليس ببعيد أنّ يكون مكّاوي نسبة إلى(مكيّ) لا إلى مكّة، فالمسمَّون ب(مِكّي)كُثر، وعند النسب إليهم لا يقال:(مكيّ) بناء على قاعدة(النسب إلى المختوم بياء مشددة)، بل يقال:(مِكّاويّ) فرارًا من الوقوع في الشركة.
لم يكن التعليل الذي قدمه الدكتور دقيقًا، فإن كان قد التمس أنّ العامة تصوروا في(مكة) همزة بعد ألف بناء على قاعدة (النسب إلى ما آخره همزة تأنيث بعد ألف،مثل سماء_ سماوي) فإنٍ هذا لا يستقيم مع الأسماء المذكرة التي تزاد عليها الألف والواو في النسب، فلا يستقيم أن نقول إنهم تصوروا أنّ أصل (جبل) جبلاء حين قالوا: (جبلاوي) وأنّ أصل(عرب) عرباء حين قالوا:(عرباويّ) وأنّ أصل(سمّ) سُمَّاء حين قالوا: (سمّاوي)...؟.
وهكذا، فالأصل في إقحام الألف والواو دفع الشركة،ومع الوقت أصبح عادة.
أمّا ثقافيًّا، فليس ثمة تفسير آخر مقنع لإقحام الالف والواو في النسب غير(دفع الشركة) على الرغم من إلحاح خيالي على قول شيء: أرى أيضًا أنّ النسب إلى هذه الأسماء من دون الألف والواو حضريّ رقيق، وأما النسب بالألف والواو ففيه من الخشونة ما يكفي، لعلّ هذا الصنيع يعكس خشونة الحياة فيهم.
(١) ديز: مقلوب زيد وهو من المهمل كما في كتب التراث، وقد بنيته على الوقف ولم أنصبه جريًا على الحكاية.
(٢) انظر كيف يستعمل القاضي رحمه الله(أو) في سياق (إمّا) التفصيلية، واللغويون اليوم ينكرون هذا الاستعمال ويعزونه إلى الترجمة عن اللغات الأجنبية !.علمًا أن القاضي عبد الجبار الأسدابادي متوفى سنة ٤١٥ هج.
(٣) المغني، للقاضي عبد الجبار: م١_ك٥:١٧٥
(٤) خذ_مثلًا_ ما يعتور هذه الأسماء من تحريف:(عَظيم_ غريب _حكيم) قابلها مرة ب (اعْظيم_ اغْريب_ احجيم) ب ياء مائعة، وقابلها مرة أخرى ب(اعظيِّم_ اغْرَيِّب_احكَيِّم) بياء مشدّدة، إذ يلتبس على العراقيين اليوم أي المقابلين للتصغير... وكلّ هذا التحريف عائد في كثير منه إلى الشركة والله أعلم.
(٥)مِكّي مِكَّاوي: تلفظانِ في اللهجة المصرية بكسر الميم إثر الإمالة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي