مقالات ادبية واجتماعية وفنية
ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي
هل تعكسُ اللُّغةُ واقعَنا المُعاش؟، أشكُّ في ذلك.
لكن يبدو أنَّ اللُّغةَ، في مجتمعنا، قرَّرت أن تقومَ بالمهمَّة. حين عجز الواقعُ عن أنْ يكونَ جميلاً، اهتمَّت الكلمات بتجميله. وحين لم نجد ما نفتخر به، اخترعنا لأنفسنا بعض المفردات نُلمّع بها أحوالنا...
ثلاث كلمات، تحديداً، ظهرت على السطح بعد احتلال اليانكي لنا، ثمَّ راحت تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم: «عادي»، »تمام» و«راقي». ثلاث كلمات بريئة في ظاهرها، لكنَّها تؤدي وظائف عظيمة في حياتنا اليومية. فهي لا تصف الواقع بقدر ما تستره.
خذ، على سبيل المثال، كلمة «راقي» التي تستخدم في غير محلِّها، إذ ليس ثمَّة ما يستحق أن يوصف بالرُّقي، مع ذلك تسمع هذه الكلمة آلاف المرّات في اليوم.
مطعم راقي. مكان راقي.
هذا الشَّخص راقي... المشكلة ليست في الكلمة. المشكلة أنَّ كثرة استعمالها توحي بأنَّنا نحاول أن ننتزع من الواقع شهادة حسن سلوك لا يستحقها. ثمَّ جاءت الكلمة الثانية: »تمام». وهذه كلمة مريحة حقاً. فهي لا تعني فقط أنَّ الأمور بخير، بل تعني أنَّ الأمور بخير إلى الحد الذي لا تستحق معها أي سؤال إضافي. تسأل أحدهم: شنو أخبارك؟ فيجيب: تمام. وهنا ينتهي التحقيق. لا يهم أنَّ الكهرباء مقطوعة، ولا أنَّ الراتب تأخَّر، ولا أنَّ الطَّريق تحوَّل إلى موقف سيارات، ولا أنَّ المعاملة التي كان يفترض أن تنتهي منذ ثلاثة أشهر ما زالت تبحث عن الموظف المسؤول عنها. كلُّ شيء »تمام». «تمام» كلمة تشبه الستارة التي تُسدل أمامَ نافذةٍ مكسورة. لا تُصلح النّافذة، لكنَّها تمنعك من رؤيتها.
وإذا كانت كلمة «تمام» قد جاءت لتؤكّد لنا أنَّ كلَّ شيء على ما يرام، فقد ظهرت كلمة ثالثة أكثر دهاءً: «عادي».
وهذه، في رأيي، أخبث الكلمات الثلاث. فهي لا تصف الواقع، وإنَّما تعيد تعريفه.
قواعد أجنبية في البلد؟ عادي. القضاء على المقاومة؟ عادي. التطبيع مع الكيان؟ عادي. الحكومة نهبت خيرات البلد؟ عادي. انقطاع الكهرباء؟ عادي. الماء ملوَّث؟ عادي.
الطريق مليء بالحفر؟ عادي.
المدرسة بلا تجهيزات؟ عادي.
المستشفى لا يستطيع أن يؤمِّن أبسط احتياجاته؟ عادي. الراتب لا يكفي أسبوعاً واحداً؟ عادي. الشاب يتخرَّج من الجامعة ولا يجد عملاً؟ عادي. أُمّيٌّ يتحدَّث في الشأن السياسي؟ عادي... عادي جداً!
حتى بتُّ أخشى أن تنجح كلمة «عادي» في تحويل أيَّةِ كارثةٍ إلى مجرَّد تفصيل يومي لا يُثير الاستغراب.
وهنا تكمنُ عبقريةُ الكلمةِ وخبثها في الوقت عينه.
إنَّها لا تقول لك إنَّ الشيء جيّد. ولا تقول إنَّه سيئ.
إنَّها تقول لك شيئاً أخطر: لا تُتعب نفسك!
وهكذا، من دون أن نشعر، أصبح لدينا قاموس كامل لإدارة الخيبات.
حين نريد أن نرفع معنويات أنفسنا نقول: راقي. حين نريد أن نطمئن أنفسنا نقول: تمام.
وحنقولين نعجز عن تبرير ما يحدث حولنا نقول: عادي.
وبهذه الكلمات الثلاث يمكن أن يمرَّ يوم كامل من دون أن نضطر إلى مواجهة الواقع.
ولكن في الحقيقة نحن حُرمنا من أشياء كثيرة: حُرمنا من حكومة وطنية، وحُرمنا من السيادة، ومن تعليم جيّد، ومن نظام صحي يليق بالإنسان، ومن اقتصاد متماسك، ومن كثير من الأشياء التي يفترض أن تكون عادية في حياة البشر، ولم نحصل، في المقابل، سوى على كلمة «عادي». وحتى لا نظلم أحداً، يبدو أنَّ بعض الخبثاء شعروا بأنَّ كلمة «عادي» لا تكفي.
فجاءوا بكلمة «تمام». قالوا لنا: لا تقلقوا، الأمور ليست سيئة إلى هذه الدرجة.
الأمور «تمام»!. وربما لأنَّ كلمة «تمام» تترك في النفس شيئاً من الشَّك، اخترعوا كلمةً أكثر أناقة: «راقي». وهكذا اكتمل المشروع. صار البلد «راقياً»، وكلُّ شيء فيه «تمام»، وما عدا ذلك «عادي». أمّا الفساد، والفقر، والجهل، والأُمّية، والتخلُّف، والبطالة، وانهيار الاقتصاد، وسوء الخدمات، وتراجع التعليم، وانسداد الأفق... فكلّها مجرَّد تفاصيل صغيرة لا تستحق أن تفسد علينا هذا الشعور الجميل بأنَّ الأمور، في النهاية، «تمام».
ولعلَّ أغرب ما في الأمر أنَّنا لم نعد بحاجة إلى تحسين الواقع. يكفي أن نحسّنَ مفرداته. فبدلاً من أن نقول: «هذا المكان سيئ»، نقول: «مو راقي». وبدلاً من أن نقول: «الأمور ليست بخير»، نقول: «مو تمام».
وبدلاً من أن نعترف بأنَّ شيئاً ما غير طبيعي، نقول ببساطة:
«عادي». وهكذا تنجح اللُّغة في مهمَّتها العظيمة: لا تُغيّر الواقع، بل تجعلُنا أكثر قدرةٍ على احتماله. وربما لهذا السبب انتشرت الكلمات الثلاث بهذه السرعة. فالإنسان الذي لا يستطيع تغيير حياته، يستطيع على الأقل أن يغيّر اسمها. والذي لا يستطيع أن يجعل الأشياء جيّدة، يستطيع أن يقول إنَّها »تمام».
والذي لا يستطيع أن يجعل المكان راقياً، يستطيع أن يصفه بالرُّقي. والذي يخشى أن يسأل نفسه لماذا وصلنا إلى هذا الدَّرك، يستطيع أن يُطمئن قلبه بكلمة واحدة:
«عادي». وهكذا يعيش الناس في بلدٍ لا شيء فيه راقياً، لكنَّه «راقي». وحياةً بائسة جداً، لكنَّها «تمام». وكلُّ ما يحدث حولنا ليس طبيعياً على الإطلاق، لكنَّه عادي.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي