مقالات ادبية واجتماعية وفنية
علاء العلاف
كاتب | عراقي
كنّا يومًا مجموعة من الفتيان الصّغار، نلعب الرياضة في ساحة العوينة. كانت تلك الساحة فضاءً رحبًا يضجّ بالحياة، وصرخة الكرة في أقدامنا كانت تعادل نشيد طفولتنا. بعد اللّعب، كنّا نعبر شارع الجمهورية، ذاك الشّارع الذي يفصل ساحة العوينة عن الشوارع الداخلية، متوجهين نحو شارع كان يُعرف قديمًا باسم "شارع العبخانة. في ذلك الشارع، كان يقف مخفر الشرطة على إحدى الزوايا، يقابله من الجهة الأخرى كنيسة "مريم" بهدوئها وهيبتها. لم نكن ندرك آنذاك رمزية المشهد، لكننا كنا نمرّ به كجزء من مغامرتنا اليومية. كان هذا الشّارع يمتد ليتصل بشارع الرشيد، أحد الشرايين النابضة لبغداد، والذي كنّا نعدّه وجهتنا الأثيرة. نتجول فيه بعيون فضولية، بين محلات كانت في ذلك الزمن عبارة عن محلات "مودرن" والمشكلة أن هذا الشارع كان دائم الحركة من كل شرائح المجتمع إضافةً إلى الأجانب آنذاك والمحلات عبارة عن "سوبر ماركت" صغيرة، لها رائحة الزمان الجميل، وكان لدى بعضهم وكالات من شركات ضخمة خارج العراق يعني كنت ألبس "بنطرون كاسكا" دائما وناهيك من محلات ألف ليلة وليلة يبع الكرزات أكثرها مستوردة والمعلّبات وأيضا محلات الموضة أو "المودرن" كلها انتيكات لكن المكان هو في قلب العاصمة بغداد ومن شارع الرشيد، كنّا نتابع المسير نحو شارع النهر، القريب منه، يفصل بينهما الجسر الذي كان يُعرف آنذاك بـ"جسر الموت". اسم يثير الرهبة، ربما لما كان يشهده من أحداث أو بسبب حركة السير الخطرة فيه. اليوم، تغيّر اسمه إلى "جسر الأحرار"، الجسر الذي يعبر بك إلى منطقة الصالحية والإذاعة، وكأنك تعبر من ذاكرة إلى أخرى. أعود اليوم إلى شارع الرشيد، لكن شيئًا ما قد تبدّل... تغيّر كل شيء تقريبا. فتلك المحلات التي كانت تبيع الكماليات والبضائع الراقية، تحوّلت الآن إلى مراكز لبيع مضخّات المياه والمطوّرات والمولّدات الثقيلة. لم تعد تحاكي روح المدينة القديمة، ولا تعكس أناقتها. كان شارع الرشيد الذي ذات يوم قطعة من مدينة إيطالية، بهندسته وأرصفته وبتفاصيل نوافذه وشرفاته، صار اليوم محمّلًا بثقل الحداثة الخشنة، وأغراض السوق الجافّة. مع الأسف، أرى الماضي يتوارى، بينما يتقدم الحاضر دون ذاكرة.
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي