مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إبراهيم رسول
ناقد | عراقي
يمثّل كتاب الحب الضائع تجربةً قصصيةً واعيةً لدى العميد طه حسين؛ فهو مجموعةٌ قصصيةٌ تضمّ ثماني قصص: (الحب الضائع، الحب اليائس، الحب المكره، بين الحب والإثم، نفس معلقة، ثأر بيرينيس، الخيال الطارق، وطيف). غير أنّ الدكتور طه حسين لا يكتب قصصًا للمتعة وحدها، بل يجعل من السرد مجالًا للتأمّل العقليّ والنفسيّ، ويفتح أمام القارئ أسئلةً تتجاوز حدود الحكاية إلى طبيعة الإنسان وتناقضاته، وما يعتري وجوده من تحوّلات وانكسارات.
إنّنا إزاء تجربةٍ تتداخل فيها العاطفة مع التأمل الكبير، وتتخذ فيها الحكاية شكلًا من أشكال الرياضة الفكريّة التي يمارسها الكاتب على أسئلة الحياة والذات والعلاقات الإنسانية. ولعلّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي يجعل الحبّ، الذي نلجأ إليه بحثًا عن الامتلاء والتوازن والطمأنينة، قابلًا لأنْ يتحوّل إلى مصدرٍ للفقد والمأساة؟ وهل تكمن مأساة الإنسان في ضياع الحبّ ذاته، أم في انكشاف هشاشة العالم الذي أقامه على أساسه؟
لا يعالج الحبّ في هذا الكتاب بوصفه عاطفةً رومانسيةً مجرّدة، بل بوصفه تجربةً تختبر قدرة الإنسان على بناء علاقته بذاته وبالآخر, فالحبّ يمنحُ الذات شعورًا بالامتلاء، ويتيح لها أن تتجاوز عزلتها، وأن تجد في العلاقة الإنسانية ما يخفّف من وطأة الوحدة والقلق. غير أنّ هذا الامتلاء لا يضمن دوام الطمأنينة؛ إذ قد تحمل العلاقة، في داخلها، أسباب تصدّعها، وتغدو المسافة بين الأمان والانكسار أضيق ممّا يتخيّل المحبّ. وهنا تنشأ المفارقة التي تمنح التجربة العاطفية بُعدها المأساوي؛ فما يمنح الإنسان إحساسه بالاستقرار قد يصبح، في لحظةٍ ما، مصدر اضطرابه وانكشاف ضعفه.
وتتجلّى هذه المفارقة بوضوح في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، من خلال شخصية مادلين موريل، التي تتكشّف تجربتها للقارئ عبر السرد بضمير المتكلّم, فنحن لا نقف أمام شخصيةٍ نراقب مصيرها من الخارج فحسب، بل نقترب من تجربتها الإنسانية من داخل وعيها، ونصغي إلى ما تختزنه من مشاعر وقلق وانكسارات, ويتيح هذا المنظور السردي للقارئ أن يتفاعل مع التجربة وجدانيًّا، وأن يرى في مصير الشخصية أكثر من مأساة فردية؛ إذ تتسع الحكاية لتلامس مأزق الإنسان حين يضع ثقته في علاقةٍ يظنّ أنّها قادرة على حماية عالمه من التصدّع.
ولعلّ القيمة النقديّة لهذا العمل لا تكمن في تصوير المأساة وحدها، بل في الكيفيّة التي تتحوّل بها المأساة إلى أداةٍ لكشف الذات, فحين تتعرّض الطمأنينة للاهتزاز، تنكشف حدود ما نظنّ أنّنا نعرفه عن أنفسنا وعن الآخرين، وتظهر التناقضات التي كانت تخفيها استمرارية الحياة اليومية. وبذلك لا يعود ضياع الحبّ حدثًا عاطفيًّا عابرًا، بل يصبح لحظةً معرفيةً قاسيةً يعيد فيها الإنسان النظر في معنى التعلّق والثقة، وفي هشاشة التوازن الذي أقامه بين ذاته والعالم.
هذه القصص التي برع العميد في صياغتها وخلقها من جديد, تعني في جانبٍ كبيرٍ منها في تنظيم علاقة الإنسان مع الله, وهو هنا أسمى غاية يمكن لمؤلف أن يقدمها للقراء, فنقرأ في الكتاب: قال القسيس للراهبة وهي تبكي: على رسلك أيتها الأخت العزيزة؛ فإن الله يكره الإسراف لعباده حتى في حبه والإنابة إليه, واحذري أن يكون إغراقك في هذا الندم, وإلحاحك في هذا الحزن الذي يوشك أن ينتهي بك إلى اليأس من روح الله الذي لا ييأس منه المؤمنون... (الكتاب: 61), وهذا القول أبلغ من أن نطيل الوقوف عنده, لأن بلاغته الراقية تستعصي علينا أن نفسره أو نشرحه.
وإذا كان انكشاف الذات يحدث في اللحظة التي تفقد فيها يقينها بالآخر، فإنّ السؤال الأعمق الذي تثيره تجربة مادلين لا يتعلّق بقدرة الإنسان على الحبّ بقدر ما يتعلّق بقدرته على احتمال الحقيقة حين تأتي مناقضةً لما أراد أن يؤمن به, فثمة مسافةٌ خفيّةٌ بين أن نعرف الآخر، وأن نطمئنّ إلى معرفتنا به؛ وقد يعيش الإنسان طويلًا داخل هذه المسافة من غير أن ينتبه إليها، لأنّ استقرار العلاقة يمنحه شعورًا بأنّ ما يجهله لا يقلّ أهميةً عمّا يعرفه. لكنّ التحوّل المأساوي يضع هذه المعرفة موضع مساءلة، ويجعل ما كان يبدو حقيقةً ثابتةً مجرّد تصوّرٍ قابلٍ للانهيار.
ولعلّ المؤلف طه حسين، من خلال بناء هذه التجربة، يتيح لنا أن نتأمّل العلاقة بين العاطفة والإرادة؛ فليس الإنسان كائنًا تتحكّم فيه مشاعره وحدها، ولا كائنًا يستطيع أن يُخضع مشاعره لمنطق العقل في كلّ الأحوال. إنّه يتحرّك بين ما يرغب فيه وما يستطيع احتماله، وبين ما يتمسّك به وما يفرض الواقع عليه التخلّي عنه. ومن هذا التوتّر تنشأ المأساة بوصفها صراعًا بين حاجة الذات إلى الاستمرار في إيمانها العاطفي، وعجزها عن تجاهل الوقائع التي تهدّد ذلك الإيمان. وهنا يغدو الحبّ امتحانًا لقدرة الإنسان على التوفيق بين حاجته إلى الآخر وحاجته إلى الحفاظ على تماسكه الداخلي.
غير أنّ هذه الجدلية لا تظلّ حبيسة العالم الداخلي للشخصية، بل تمتدّ إلى علاقة القارئ بالنصّ. فنحن، حين نتعاطف مع الشخصية، لا نشاركها ألمها فحسب، بل نختبر حدود أحكامنا أيضًا, فما يبدو لنا واضحًا من الخارج قد يصبح ملتبسًا حين نقترب من التجربة الداخلية، وما نراه ضعفًا في لحظةٍ قد نكتشف أنّه تعبيرٌ عن مأزقٍ إنسانيّ لا تحسمه الأحكام الأخلاقية وحدها. وبذلك تتحوّل القراءة من متابعةٍ للمصائر إلى مساءلةٍ للطريقة التي نفهم بها البشر، ونفسّر اختياراتهم، ونحدّد مسؤوليتهم عمّا ينتهي إليه وجودهم.
ومن هنا، لا ينبغي أن نختزل تجربة الكتاب في معادلةٍ أخلاقيةٍ جاهزة، تجعل الحبّ خلاصًا مطلقًا أو تجعله سببًا حتميًّا للمأساة؛ فالعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تستقرّ في حكمٍ واحد. إنّ ما تكشفه التجربة هو أنّ العاطفة، مهما بلغت من الصدق، لا تعزل الإنسان عن تقلّبات الحياة، ولا تمنحه سلطةً على اختيارات الآخرين. وهي، في الوقت نفسه، لا تفقد قيمتها لأنّها لا تضمن السعادة؛ إذ قد تكون قيمة التجربة في ما تتيحه للإنسان من معرفةٍ بنفسه، وفي ما تتركه من أسئلةٍ تعيد تشكيل نظرته إلى العالم.
إنّ ما يبقى من الحب الضائع ليس مأساة مادلين وحدها، بل السؤال الذي تتركه معلّقًا في وعينا: هل يستطيع الإنسان أن يحبّ من دون أن يعرّض شيئًا من ذاته لاحتمال الفقد؟ إنّ الرغبة في علاقةٍ خاليةٍ من المخاطر تكشف، في جانبٍ منها، رغبتنا في امتلاك الحياة وضمان نتائجها، مع أنّ الحياة لا تمنحنا هذا النوع من اليقين. وربّما لا تكمن المعضلة في أنّ الحبّ يعرّضنا للألم، بل في أنّنا نطلب منه أحيانًا أن يعفينا من حقيقة وجودنا بوصفنا كائناتٍ لا تملك ضماناتٍ نهائيةً ضدّ التحوّل والخسارة.
ومن هنا، تتجاوز المأساة حدود العلاقة العاطفية لتلامس سؤال الحرية الإنسانية: ماذا يبقى من الذات حين يسقط المعنى الذي كانت تستند إليه؟ وهل يكون الانكسار نهايةً للإنسان، أم لحظةً ينكشف فيها أنّ هويته أوسع من التجربة التي ظنّ أنّها تختصره؟ لا يقدّم الأدب إجاباتٍ نهائيةً عن هذه الأسئلة، وإنّما يمنحنا القدرة على الإقامة فيها، ومقاومة إغراء الأحكام السريعة. ولعلّ هذه إحدى إمكانات الكتابة القصصية عند طه حسين: أن تجعل من المصير الفردي نافذةً على مأزق الإنسان، وأن تدفعنا إلى اكتشاف أنّ المأساة لا تكشف ما نفقده فحسب، بل تكشف أيضًا حدود ما كنّا نظنّ أنّنا نملكه.
فليس كلّ ما يمنحنا معنى قابلًا للدوام، وليس كلّ ما ينتهي يفقد قدرته على إعادة تشكيل وعينا بالحياة. ولعلّ السؤال الذي يظلّ مفتوحًا بعد انطفاء الحكاية ليس كيف ضاع الحبّ، بل كيف تتغيّر الذات حين تكتشف أنّ ما استندت إليه لم يكن قادرًا على حمايتها من تقلّبات الوجود. عند هذه النقطة، لا يعود الحبّ مجرّد علاقةٍ بين شخصين، بل يصبح تجربةً تكشف حدود الإنسان في مواجهة الحياة، وتضعه أمام حقيقةٍ لا يستطيع تجاوزها: أنّنا لا نملك مصائر الآخرين، ولا نضمن بقاء الأشياء على الصورة التي أحببناها بها، لكنّنا نستطيع أن نعيد التفكير في معانيها بعد أن تتغيّر، وأن نحول التجربة، مهما كانت قاسية، إلى معرفةٍ أعمق بأنفسنا وبالعالم.
فهذا الكتاب سياحةٌ في جدليةٍ إنسانية مأساوية, فزمنها هو زمن الحرب والمأساة والألم, ولكنها تُثبت أنّ الحب هو الذي ينجينا من كل شيء حتى من أنفسنا, لأنّه يجعلنا نتصالح من الذات التي هي أوّل ما ينبغي أن يكون ليتصالح الإنسان مع الآخرين, فهو فرصةٌ ثمينةٌ أن نعيد سؤالنا القديم في الحب حين يكون بين نقيضين فينتصر جانب الحب على أي خصمٍ يقف ضدّه.

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي