مقالات ادبية واجتماعية وفنية
أحلام حسين غانم
كاتبة | سورية
أسئلة استهلالية:
كيف يمكن لنص لا يتجاوز بضعة أسطر أن يحمل عالمًا كاملًا من الدلالات؟ وهل تكفي الجملة المقتضبة لتشييد حدث وشخصية ورؤية؟ وأين تنتهي القصة القصيرة جدًا وتبدأ الحكمة أو الخاطرة أو الشذرة الشعرية؟ وهل يكمن سرها فيما تقوله أم فيما تتركه للقارئ من فراغات وتأويلات؟ ثم كيف استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الأدبي رغم استمرار الجدل النقدي حول جنسيتها وحدودها الفنية؟
تلك أسئلة لم يحسم النقد أجوبتها بصورة نهائية، وظلت القصة القصيرة جدًا فضاءً مفتوحًا للاجتهاد والاختلاف.
"أنثى من زجاج".
ومن هذا الأفق الإشكالي يمكن الاقتراب من مجموعة "أنثى من زجاج" للقاصة سعاد غانم، بوصفها تجربة سردية تراهن على التكثيف والإيحاء، وتسعى إلى تحويل الومضة السردية إلى لحظة كشف إنساني وجمالي.
دهشة العنوان:
هل كانت سعاد غانم تكتب قصصًا قصيرة جدًا فحسب، أم كانت تكتب شظايا من ذاتها؟ وهل الزجاج في عنوان المجموعة رمز للشفافية أم للهشاشة أم للقدرة على عكس صور الواقع؟ وكيف استطاعت الكاتبة أن تختزل عوالم كاملة من الألم والحب والدهشة في نصوص لا تتجاوز أسطرًا معدودة؟.
تلك الأسئلة تشكل مدخلًا لقراءة مجموعة "أنثى من زجاج"، حيث تتجاور الذاتية مع التكثيف، ويتحول الصمت بين الكلمات إلى جزء من المعنى.
كيف يمكن لنص لا يتجاوز بضعة أسطر أن يحتضن تجربة إنسانية كاملة؟ وهل تستطيع القصة القصيرة جدًا أن تقول في ومضة ما تعجز عنه الصفحات الطويلة؟ وأين يكمن سر هذا الجنس الأدبي الذي ما يزال يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة؟ أفي الحذف أم في التكثيف؟ في اللغة أم في الصمت الذي يحيط بها؟ تلك أسئلة لا يزال النقد يقترب من تخومها دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة النهائية بشأنها.
ولعل أول ما يواجه القارئ في مجموعة "أنثى من زجاج" للقاصة سعاد غانم ليس النص القصصي نفسه، وإنما تلك العتبات المضيئة التي اختارتها الكاتبة لتكون مفاتيح للولوج إلى عالمها السردي.
فالإهداء الذي تتوجه فيه إلى "براعم النور" و"طاقة الحب" يكشف منذ البداية عن منبع التجربة الإنسانية والوجدانية التي تتغذى منها النصوص، ويؤسس لعلاقة حميمة بين الكاتبة وعالمها.
ثم تأتي الأقوال المصدرة للمجموعة لتحدد أفقها الجمالي؛ فمقولة النفري: "كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" تبدو وكأنها بيان فني لفلسفة التكثيف التي تقوم عليها القصة القصيرة جدًا، بينما يؤكد قول نيتشه: "إن مرماي أن أقول في عشر جمل ما يقوله غيري في كتاب" رهان الاختزال والإيجاز الذي يجعل من القليل اللغوي كثيرًا دلاليًا.
أما تقديم الدكتور مسلك ميمون، فينقل القارئ من أفق التلقي الوجداني إلى أفق القراءة النقدية، حين يلفت الانتباه إلى حضور الذات الساردة وهيمنة ضمير المتكلم وانعكاس التجربة الشخصية واللاشعورية داخل النصوص.
وهكذا تتحول هذه العتبات مجتمعة إلى خريطة أولية ترشدنا إلى كيفية قراءة المجموعة وفهم خصوصيتها الفنية.
إذا كانت العتبات النصية قد هيأت القارئ لعالم يقوم على التكثيف والإيحاء والذاتية، فإن النصوص نفسها تكشف عن قدرة القاصة سعاد غانم على تحويل الومضة السردية إلى فضاء دلالي واسع، حيث لا تُروى الحكاية بقدر ما تُقترح، ولا يُقدَّم المعنى جاهزًا بقدر ما يُترك للقارئ ليشارك في إنتاجه.
في قصة "أوان" تتجاوز الكاتبة حدود الواقع الفيزيائي إلى تخوم التجربة الوجودية. فالساردة تنقاد إلى عالم "يتكلمون فيه بلا لغة ويتحركون بلا أطراف"، في إحالة على منطقة معلقة بين الحياة والموت، بين الوعي واللاوعي. غير أن المفارقة النهائية، حين تعلن الممرضة تحريك الأصابع، تعيد الشخصية إلى عالم الحياة.
نقتبس قول الكاتبة من القصة القصيرة (أوان):
ناداني هسيسُ صوتٍ تَبعتُهُ مُنقادةً، إلى عالمٍ يتكلمون فيه بلا لغةٍ، يتحرّكون بلا أطراف، أيقظني في غبطتي أمرٌ بالعودة.. في تلك اللحظة صرختِ الممرضةُ إنها تُحرّكُ أصابِعَها."
وهكذا ينهض النص على لحظة عبور وجودية مكثفة تختزل صراع الإنسان مع الفناء والتشبث بالحياة.
أما في قصة أخرى عنوانها "خداع" تقول: لمّعَ مِرآتَهُ، زيَّنَها، نظر إليها من جديد ، لم يرَ غيرَ صورتِهِ القديمةِ ".
تتجلى هنا المفارقة الساخرة في أقصى درجات الاقتصاد اللغوي؛ فالشخصية تلمّع المرآة وتزينها أملاً في رؤية مختلفة، لكنها لا تجد سوى صورتها القديمة. هنا يتحول النص إلى تأمل في استحالة الهروب من الذات، وفي عبث محاولات التجميل الخارجي حين يبقى الجوهر على حاله.
ترتفع اللغة في قصة "شرعنة" من الخاص إلى العام، ومن الذاتي إلى السياسي والإنساني. فسنُّ قانون لتحريم القتل يقابله الإبقاء على "باب موارب للحروب"، فتتكشف ازدواجية الخطاب البشري الذي يعلن السلام ويمارس العنف. وتنتهي القصة بصورة دامية تجعل من الثورة والحرب وجهين لمأساة إنسانية واحدة.
حيث تقول : "على طاولة الحوار سنُّا قانونَ تحريمِ القتلِ، تركوا بابًا مواربًا للحروب، صبغتِ الدِّماءُ أوراقَ النعوة لقرابين الثورة ."
وفي قصة" مظاهر " تقول: "دخل حذاء سندريلا المزادَ، ازدادتِ الأصفارُ على اليمين بعد أن خُتِمَ بماركة ٍ عالميةٍ."
فيتبين للقارئ أن الكاتبة تعتمد في قصة "مظاهر" على التناص مع الحكاية الشعبية لسندريلا، غير أن الحذاء يفقد قيمته الرمزية القديمة ليغدو سلعة في مزاد عالمي. وهنا تنتقد القاصة هيمنة العلامة التجارية على القيمة الحقيقية للأشياء، حيث تصبح الشهرة أهم من الجوهر.
وتقول في قصة "بدل مفقود ":
"كوَّنَتْهُ من طينٍ لحظةَ ولادةٍ، شعرتْ بألمٍ في بطنها يُشبهُ المخاضَ، يتسارعُ.. يشتدٌّ، صرخةٌ.. وتقطعُ الحبلَ السِّرِّيَّ مع أوَّلِ شهقةٍ للحياة."
وفي "بدل مفقود " تتجسد عملية الخلق الفني في صورة ولادة إنسانية. فالمبدعة تشكل من الطين كائنًا جديدًا، وتعاني آلام المخاض قبل أن تقطع الحبل السري. إن النص يقدم الكتابة بوصفها فعل ولادة، والإبداع بوصفه امتدادًا للقدرة الإنسانية على الخلق والتجدد.
أما في قصة "رتق"" تقول : "فتحَ أبوابَ السماءِ ، بصلواتٍ خمسٍ، وتعويذةٍ تتفاعلُ مع الشَّرِّ، لتُوقِفَ سيلَ الجرذانِ التي بدأت تَقرصُ أطرافَ الشمس، كلَّما سدّ ثقبًا ازدادت خسارته."
هاهنا نرى أنها تقوم على بناء رمزي كثيف، حيث يحاول البطل مواجهة الشر بوسائل روحية، لكن الجرذان تواصل قضم أطراف الشمس. إنها صورة للفساد أو الخراب الذي يتكاثر كلما ظن الإنسان أنه تمكن من احتوائه، فيتحول الرتق إلى خسارة متزايدة، ويتحول الإصلاح إلى معركة مفتوحة.
و تقول في قصة "جوهر"": رسمَ لوحتينِ لذكرٍ ولأنثى بألوانِ الحياةِ المتعدّدةِ، يصعد السُّلّمَ يبلغ الذروة، يتدحرجُ نزولا ؛ظلُّ التنورةِ كانَ الفاصلة ".
في هذا الإطار تتناول القاصة في قصة "جوهر "قضية التمييز الجندري عبر لوحة رمزية. فالرجل والمرأة رُسما بألوان الحياة نفسها، غير أن "ظل التنورة" صار فاصلاً بين الصعود والتدحرج. وهكذا تكشف القصة كيف تصنع المجتمعات حدودًا وهمية بين البشر على أساس النوع الاجتماعي.
ونقتبس قصة "شكوك "حيث تقول :"داهمتْها الغيرةُ، سكنتْها الوجوهُ، بلا ملامحٍ تعرّفت على وجهها في المرآة"
ونلمس كيف تتناول من خلال قصة "شكوك" البعد النفسي للإنسان؛ فالغيرة تجعل الوجوه تتكاثر بلا ملامح، حتى تنتهي الشخصية إلى اكتشاف أن الوجه الذي تطارده هو وجهها هي.
إنها مفارقة تشير إلى أن الشك كثيرًا ما يكون انعكاسًا لمخاوف الذات أكثر مما هو انعكاس لواقع الآخرين.
وفي قصة " تبصر "تقول :" سار في طريقٍ وعرةٍ ، وصل مُفترقًا ،الأولُ يفود إلى الله، الثاني إلى نقاشاتٍ حول اللهِ ،أزال الإشاراتِ، وترك للعابرين تحديد الاتجاه."
في هذا المسار من خلال "تبصر" تطرح سؤال المعرفة الدينية والفكرية. فعند مفترق الطريق يختار السارد إزالة الإشارات التي تحدد الاتجاه، تاركًا لكل عابر حرية الاختيار. وهنا تنتصر القصة لفكرة البحث الشخصي عن الحقيقة، وترفض الوصاية الفكرية، في انسجام مع روح التساؤل التي تميز الأدب والفلسفة معًا.
ومن خلال هذه النصوص يتبين أن القاصة لا تنشغل ببناء حدث تقليدي بقدر انشغالها بإنتاج الدلالة.
فالقصة القصيرة جدًا لديها تتحول إلى ومضة فكرية أو نفسية أو إنسانية، تتأسس على المفارقة والرمز والتكثيف، وتراهن على ذكاء القارئ وقدرته على ملء البياضات النصية.
خلاصة الدراسة
تكشف مجموعة "أنثى من زجاج" عن وعي فني واضح بخصائص القصة القصيرة جدًا، حيث تتضافر العتبات النصية مع المتن السردي لتشكيل رؤية قائمة على الاختزال والتلميح والإيحاء. فالإهداء يؤسس لبعد وجداني وإنساني، والأقوال المرافقة تعلن الانتماء إلى فلسفة التكثيف، بينما يؤكد التقديم النقدي حضور الذات الساردة بوصفها مركزًا للرؤية.
وعلى مستوى النصوص، تتنوع الموضوعات بين الوجودي والنفسي والاجتماعي والسياسي والفكري، لكن يجمعها جميعًا اعتماد المفارقة والرمز والاقتصاد اللغوي. فلا تقدم القاصة أجوبة جاهزة، بل تفتح أسئلة جديدة حول الحياة والموت، والحقيقة والوهم، والعدالة والعنف، والذات والآخر.
خاتمة ورؤية أخيرة
في بداية هذه القراءة انطلقنا من أسئلة بدت عصية على الحسم: كيف تستطيع القصة القصيرة جدًا أن تقول الكثير بالقليل؟ وكيف تتحول بضعة أسطر إلى عالم من المعاني؟ وهل يكمن سرها فيما تبوح به أم فيما تسكت عنه؟
وعند نهاية الرحلة في "أنثى من زجاج" لا نجد أجوبة نهائية بقدر ما نجد شواهد فنية تؤكد أن قوة هذا الجنس الأدبي تكمن في قدرته على تحويل اللمحة إلى رؤية، والإشارة إلى معنى، والاختزال إلى اتساع دلالي. لقد أجابت سعاد غانم عن تلك الأسئلة لا بالتنظير، بل بالممارسة الإبداعية ذاتها؛ فكل قصة من قصصها تبدو أصغر من أن تُحكى وأكبر من أن تُختزل في تفسير واحد.
وهكذا تظل "أنثى من زجاج" تجربة تؤكد أن العبارة قد تضيق فعلًا كلما اتسعت الرؤيا، وأن النص القصير جدًا ليس نصًا ناقصًا، بل نص يثق بالقارئ، ويمنحه فرصة المشاركة في صناعة المعنى واكتشاف ما وراء الكلمات.
.jpeg)
.jpeg)

...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي