loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

بويطيقا الثقافة بين طموح التأسيس وإعادة إنتاج الحوار النقدي

breakLine
2026-08-01

أ.د حسين عبيد  شراد
ناقد وأكاديمي | عراقي

 

ليس عسيرًا على الباحث أن يضيف عنوانًا جديدًا إلى رفوف النقد، ولا أن يبتكر مصطلحًا يستوقف القارئ في الوهلة الأولى؛ فالعناوين تولد كل يوم، والمصطلحات تتكاثر بيسر، غير أن العسير حقًا هو أن يضيف الكتاب سؤالًا لم يكن مطروحًا، أو أن يفتح للمعرفة منفذًا لم تألفه من قبل. فالتاريخ النقدي لا يحفظ كثرة المؤلفات، وإنما يحفظ المنعطفات التي غيرت طريقة التفكير، وأعادت ترتيب العلاقة بين المفهوم وموضوعه.
ومن هذا المنطلق يكتسب كتاب «بويطيقا الثقافة» للدكتورة بشرى موسى صالح أهميته؛ إذ لم يأت بوصفه تلخيصًا لمنجز النقد الثقافي، ولا إعادة ترتيب لخطابه، وإنما جاء بوصفه محاولة واعية لإعادة مساءلة العلاقة بين الشعرية والثقافة، والانطلاق من سؤال يتجاوز الثنائية التقليدية التي حصرت الجمالي في بنيته الداخلية، والثقافي في سياقه الخارجي. لقد حاول الكتاب أن يردم هذه الهوة، وأن يجعل الثقافة عنصرًا فاعلًا في إنتاج الشعرية، لا مجرد خلفية لتفسيرها، وهو ما منح المشروع فرادته، حتى وإن ظل موضع أخذ ورد من الناحية المنهجية.
ولا يعني هذا أن المشروع بلغ كماله النظري؛ فمفهوم «بويطيقا الثقافة» ظل يتردد بين أكثر من حقل معرفي، ولم يتحول دائمًا إلى جهاز إجرائي صارم يمكن تطبيقه بحدود واضحة. غير أن هذه الملاحظة لا تنقص من قيمته، لأن الكتب المؤسسة لا تُقاس بسلامتها المطلقة، بل بقدرتها على إزاحة الأسئلة المستقرة، وإجبار الباحث على إعادة النظر في مسلمات الحقل. فالمشروع المؤسس لا يمنحنا أجوبة نهائية، وإنما يغير طبيعة السؤال ذاته.
ومن هنا ينبغي التمييز بين التأسيس وإعادة إنتاج الحوار. فالتأسيس مغامرة معرفية تقتضي اقتراح مفهوم جديد أو آلية قراءة مختلفة، أما إعادة الحوار فهي حركة تدور داخل المدار نفسه، وإن بدلت العنوان أو زينت المصطلح أو وسعت دائرة الإحالات. فالفرق بينهما ليس فرقًا في مقدار الجهد، بل في طبيعة الإضافة. وقد يكتب باحث مئات الصفحات، ويظل يتحرك في الأسئلة التي أنتجها غيره، بينما يفتح كتاب آخر، أقل حجمًا، بابًا جديدًا للتفكير لا يغلقه الزمن.
ومن أخطر ما أصاب بعض الخطاب النقدي العربي أن الانشغال بالمشروع المؤسس تحول إلى انشغال بشرحه، ثم إلى شرح الشرح، حتى غدا الحوار نفسه مادة يعاد إنتاجها بألفاظ جديدة. وهنا لا يعود المصطلح أداة لاكتشاف المجهول، بل يصبح علامة على استقرار المعرفة لا على تجددها. وما إن يستقر الحوار حتى تبدأ طقوس ما يمكن أن نسميه تشميم الهوامش؛ فلا يعود الهامش شاهدًا على ولادة فكرة، بل يصبح عطرًا معرفيًا يُرش على المتن ليمنحه مظهر العمق، في حين يبقى البناء الفكري يدور في المكان نفسه. إن تشميم الهوامش ليس كثرتها، بل توظيفها بوصفها زينة معرفية أكثر منها ضرورة منهجية.
ولعل هذه الظاهرة تقود إلى ما يمكن تسميته بـ العين الثالثة النقدية؛ تلك العين التي يُتوهم أنها تكشف ما غاب عن الأوائل، فإذا بها لا ترى إلا ما رأوه، ولكن من خلال مرايا جديدة. إنها عين مشغولة بإعادة النظر أكثر من انشغالها بإنتاج رؤية، ولذلك يكثر الحديث عن الاكتشاف، بينما يبقى المكتشف هو الحوار القديم وقد استبدل ثوبه. أما طلاسم التأسيس فهي ذلك الوهم الذي يجعل تبديل المصطلحات قرينًا بتبديل المعرفة، مع أن المفاهيم لا تكتسب مشروعيتها من غرابة أسمائها، وإنما من قدرتها على تفسير ما عجزت الأدوات السابقة عن تفسيره.
ومن هذه الزاوية يغدو «بويطيقا الثقافة» كتابًا جديرًا بالحوار؛ لأنه امتلك شجاعة اقتراح السؤال قبل أن يطمئن إلى جوابه. وقد يختلف الباحث مع بعض منطلقاته أو مع حدوده الإجرائية، لكنه لا يستطيع إنكار أنه حاول أن يؤسس أفقًا للنقاش، لا أن يكتفي بإدارة نقاش سبق أن استقر. وهذه هي السمة التي تميز المشروع المؤسس عن المشروع الذي يكتفي بإعادة توزيع الأفكار داخل البنية نفسها.
إن المعرفة لا تتقدم بإعادة تدوير الحوار، بل بإعادة إنتاج السؤال. ولا يورث المشروع العلمي الحقيقي ألفاظه، بل يورث طريقته في التفكير. أما حين يتحول الاشتغال النقدي إلى دوران حول المفاهيم المستقرة، فإن الحركة تبدو كثيفة، لكنها لا تغادر مركزها. ولهذا يبقى أثر المشروع الذي يغامر في إنتاج المعرفة، مهما اعتراه من نقص، أبقى من أثر المشروع الذي يحسن إدارة ما أنجزه الآخرون. فطالب العلم لا يبحث عن صدى الأفكار، بل عن الأفكار التي تصنع صداها
غير أن سؤالًا يظل معلقًا بعد الفراغ من هذه القراءة: إذا كان «بويطيقا الثقافة» قد مثّل محاولة للتأسيس، فأين تبدأ حدود المشروع المؤسس، وأين تنتهي ليبدأ ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج الحوار؟ وهل يكفي تغيير العنوان والمصطلح لإعلان ميلاد مشروع نقدي جديد، أم أن التأسيس له شروط معرفية أكثر تعقيدًا؟ ذلك سؤال أرجئ مناقشته إلى قراءة أخرى تتناول أحد الكتب التي رفعت شعار الإشكال المنهجي، لا لاختبار صدقية العنوان، بل لامتحان مقدار ما أضافه إلى المعرفة النقدية.

 

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي