loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

العبّاس سيّد الماء

breakLine
2026-06-24

ناطق فرج
كاتب ومترجم | عراقي



في ذاكرة الأُمم رجالٌ خلَّدهم التّاريخ لأنَّهم انتصروا في معركةٍ، أو أسَّسوا دولةً، أو تركوا أثرًا علميًا باقيًا، غير أنَّني لم أسمع بإنسانٍ خُلِّدَ لأنَّه اختار أن يموتَ عطشانًا كي لا يعطش غيره. ولم أسمع بشخصيةٍ ارتبط اسمها بالماء كما ارتبط اسم العبّاس بن علي، حتى بدا وكأنَّ الماء نفسه يروي سيرته كلَّما جرى في نهر أو نزلَ من غيمة.
لهذا اخترتُ أن يكونَ عنوان هذه المقالة: «العبّاس.. سيّد الماء».
العبّاس بن علي هو ابن الإمام علي بن أبي طالب، وأخو الإمام الحُسين بن علي عليهما السَّلام. وُلد في المدينة المنوَّرة سنة 26 للهجرة، ونشأ في بيتٍ اجتمع فيه الشَّرف والإيمان والشَّجاعة والرَّحمة. أما أمُّه فهي فاطمة بنت حزام الكلابية، المعروفة «بأُمِّ البنين»، المرأة التي قدَّمت أبناءها الأربعة قرابين للحقِ في واقعةِ الطّف في كربلاء. 
عرف النّاس العبّاس بألقابٍ كثيرة؛ فقيل هو «قمر بني هاشم» لجماله وهيبته، و«حامل اللّواء» لشجاعته وثباته، و«ساقي العطاشى» لعظيمِ خدمتِهِ لأهلِ بيتِ أخيه الإمام الحُسين، لكنَّ كلَّ هذه الألقاب، على جلالتها، تبدو وكأنَّها تصبُّ في نهرٍ واحد اسمه: الإيثار.
كان العبّاس رجلاً فارع القامةِ، مَهيب الطَّلعةِ، شجاعاً لا يعرفُ التَّراجُعَ، غير أنَّ سرَّ عظمتِهِ لم يكن في قوَّته وحدها، بل في قلبِهِ، وفي كربلاء ظهر هذا القلبُ بأجملِ صوره. 
حين أحاط جيش يزيد بالحُسين وأهل بيته، مُنع عنهم الماء أياماً طويلة تحت شمسٍ حارقة لا ترحم. كانت أصواتُ الأطفالِ العطاشى تتردَّد بين الخيام، وكانت العيونُ تتطلَّع إلى العبّاس كلَّما اشتدَّ الظَّمأ، لأنَّه كانَ الأملُ الذي يبعث الطُّمأنينةَ في النُّفوس.
كانَ يحرسُ الخيامَ، ويشدُّ من أزرِ النّساءِ والأطفالِ، ويقفُ إلى جانبِ أخيه الحُسين كالجبلِ الرّاسخ. وما دام العبّاس حيًّا، كانَ في القلوبِ شيءٌ من السَّكينةِ، وكأنَّ وجوده وحده حصنٌ يحمي الجميع من الخوفِ.
ثمَّ جاءت اللَّحظةُ التي كشفتْ معدن هذا الرَّجل العظيم.
خرج العبّاس نحو الفرات ليأتي بالماءِ للأطفال. وبعد مواجهةٍ شديدةٍ وصل إلى النَّهر، وغرف الماء بيديه. كان العطش قد بلغَ منه مبلغاً عظيماً، والماء البارد أمامه، لا يفصله عنه سوى لحظةٍ واحدة. في تلك اللَّحظةِ التي قد ينهار فيها أيّ إنسان أمام حاجته، تذكَّر أخاه الحُسين، وتذكَّر الأطفالَ الذين ينتظرونَ قطرةَ ماء في الخيام.
فردَّ الماء من يدِهِ، وخاطبَ نفسه قائلاً:
يا نفسُ مِن بعدِ الحُسينِ هوني
وبعدَهُ لا كُنتِ أنْ تكوني
لم يشرب!
أيُّ قلبٍ هذا؟
وأي وفاءٍ يجعل الإنسانَ يرى الماء بين يديه ثمَّ يتركه لأنَّ غيره أولى به؟
لقد كان العبّاس قادرًا على أن يروي ظمأه، لكنَّه اختار أنْ يروي ضميره أولًا.
عاد بالقِربةِ نحو الخيام، يحمل الماء. لم يكن يحمل مجرَّد قِربةِ ماء، بل كانَ يحملُ آمالَ الأطفالِ وابتساماتهم المنتظرة، لكنَّ الأعداء أدركوا أنَّ وصوله بالماء سيكون انتصارًا للإنسانية قبل أن يكونَ انتصارًا لمعسكر الحُسين، فأحاطوا به من كلِّ جانب.
قاتل بشجاعةٍ نادرة، فقُطعت يمينه، ثمَّ قُطعت يساره، ومع ذلك لم يتخلَّ عن القِربة. كان همَّه الأخير أنْ يصلَ الماء إلى العطاشى.
وفي طريق الوفاء هذا، سقط شهيدًا.
سقط الجسدُ، لكنَّ الموقفَ بقي شاخصًا في ضمير التّاريخ.
وحين وصل الحُسين إلى أخيه المحتضر، وقف أمامَهُ مكسورَ القلبِ، وقال كلمته الشَّهيرة التي تَختصرُ حجم المصاب:
«الآنَ انكسر ظهري وقلَّتْ حيلتي وشَمَتَ بي عدوي».
لم يكن العبّاس مجرَّد أخٍ للحُسين، بل كان سندًا وروحًا وقلبًا نابضًا بالوفاء.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت صورة العبّاس مرتبطة بالماء، ليس لأنَّه شرِبَ منه، بل لأنَّه لم يشربْ؛ وليس لأنَّه امتلكه، بل لأنَّه آثر به غيره. وهنا تكمنُ عظمةُ القصَّة؛ فالبطولةُ الحقيقيةُ ليستْ أنْ تأخذَ ما تحتاجُ إليه، بل أنْ تمنحَهُ لغيرك وأنت أحوج النّاس إليه.
لقد رأى فيه الإمام السَّجاد، علي بن الحُسين عليه السَّلام، نموذجاً فريداً للإيثار والتَّضحية، فقال: «رحم الله عمّي العبّاس، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه... »، وبيَّن ما أعدّه الله له من المنزلة الرَّفيعة بين الشهداء. 
إنَّ شخصيّة العبّاس لا تخصُّ زمنًا معينًا أو طائفةً بعينها، بل هو قيمةٌ إنسانيةٌ خالدة. إنَّه درسٌ في الوفاء حين يندر الوفاء، وفي الإيثار حين يشتدُّ الجشع، وفي الثَّباتِ حين تتزلزل المواقف.
ولهذا، كلَّما ذُكر الماء ذُكر العبّاس، وكلَّما ذُكر العطش ذُكرت تضحيته، وكلَّما بحث النّاس عن معنى الوفاء وجدوا في سيرتِهِ جوابًا بليغًا.
رحل العبّاس عن الدُّنيا منذ قرون طويلة، لكنَّ اسمه ما زال حيّاً في القلوب، فالأجسادَ تموت، أما المواقف العظيمة فتبقى حيّة أبد الدَّهر.
كان العبّاس ساقي العطاشى، لكنَّه سيبقى «سيّد الماء» في ذاكِرةِ الأجيال...

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي