مقالات ادبية واجتماعية وفنية
إبراهيم رسول
ناقد | عراقي
ثمّة شعرٌ يبدأ من القلق، وثمّة شعرٌ يبدأ من المعنى مباشرةً؛ ولعلّ مجموعة (حين يرتبك المعنى) للشاعر حسين القاصد تنتمي إلى الشعر الذي يجعل من المعنى مركزًا لتجربته، لا بوصفه نتيجةً نهائيةً للنص فحسب، وإنّما بوصفه مادةً أولى يُعيد الشاعر تشكيلها، وتوجيهها، وإكسابها طاقتها الشِّعريّة الخاصة. وهذا ما يمكن أنْ نلمحَه منذُ العنوان، مرورًا بالإهداء الذي يقول فيه: "إلى معناي" ، وانتهاءً بالقصائد التي تتعدد فيها الموضوعات، بينما تظلّ طريقة تشكّل المعنى واحدةً من أبرز مفاتيح قراءة المجموعة.
فالقارئ والناقد، حينَ يقرأُ هذا الكتاب الشِّعري، ينبغي له ألّا يتوقف عند الموضوعات التي يطرقها الشاعر، بل أن يتجاوزها إلى الطريقة التي تناول بها تلك الموضوعات، وكيف نقلها من صورتها المألوفة إلى صورتها الشِّعرية. وهنا، في تقديري، تكمن شاعريتهُ الفذّة، التي فيها شيءٌ من الفرادة التي هي شرطٌ من شروط التجربة الشِّعرية؛ إذ ليست القضية في المعاني التي يعرفها الجميع، وإنّما في الطريقة التي يستطيع بها الشاعر أنْ يجعل المعنى المألوف يبدو جديدًا، وأنْ يمنحَه من اللغة والصورة والإيقاع ما يجعله قابلًا لأن يُرى ويُحسّ من جديد.
وبحسب نظرية المعاني المطروحة، فإن المعاني، في كثيرٍ من صورها، متاحةٌ ومشتركة، لكنّ الذي يميّز المبدع ليس امتلاك المعنى وحده، بل قدرته على إعادة إنتاجه شعريًا. ومن هنا وجب أن نقرأ طريقة المبدع في إبداعه، لا أن نقرأ إبداعه بوصفه مجموعةً من المعاني الجاهزة؛ لأن الشِّعرَ لا يتأسس بما يقوله الشاعر فحسب، بل بكيفية قوله، وبالمسافة التي يصنعها بين المعنى الأول والمعنى الذي ينتهي إليه النص.
وهذا تحديدًا ما أرغب في مقاربته وأنا أقرأ (حين يرتبك المعنى): كيف يتحول المعنى إلى شعر؟ وكيف يستطيع حسين القاصد أن يجعل من ارتباك المعنى طاقةً للإبداع، ومن المألوف مجالًا للدهشة، ومن اللغة وسيلةً لاكتشاف ما لم يكن المعنى قادرًا على قوله قبل أن يدخل القصيدة.
وإذا كان المعنى هو مركز هذه التجربة, فإنَّ القاصدَ لا يقدّمه في صورةٍ مكتملة تصل إلى المتلقي ثم تنتهي مهمتها, بل يتركه في حالة حركةٍ دائمةٍ؛ فالمعنى عنده لا يسلّم للقارئ, وإنّما يُستدرج إليه, وهذه خصيصة من خصائص النصّ الشّعري الذي يُشارك الآخر تشكيل المعنى, وهنا يبدو الشاعر يريد من المتلقي إعادة الصياغة أيضًا, فهو لا يضع أمام القارئ دلالة مغلقة, بل يفتح له منافذ عدّة, ويجعله شريكًا أساسيًا في بناء ما لم تقله القصيدة صراحةً, لهذا, أفهم (ارتباك المعنى) هنا ليس اضطرابًا في الدلالة, بل هو تعدّدٌ في إمكاناتها.
والممتع في تجربة القاصد أنَّه لا يبحث عن الغرابة لذاتها, ولا يجعل من الانزياح اللغوي غايةً مستقلة, وإنّما يوظف اللغة حين تحتاج إليها القصيدة.
لذلك تبدو الصورة الشِّعرية عندهُ مرتبطةً بما تريد أنْ تكشفَه لا بما تريد أنْ تستعرضَه؛ فاللُغة ليست زينةً خارجيةً للمعنى، بل هي المجال الذي يتكوّن داخله المعنى ويتحوّل عدّة تحوّلات. وهذا ما يمنح بعض نصوص المجموعة قدرتها على تجاوز القراءة الأولى؛ لأنَّ العبارةَ التي تبدو بسيطة في ظاهرها قد تحمل خلفها طبقاتٍ من الدلالة لا تظهر إلا حين يعيد القارئ النظر فيها.
ولعلَّ من أكثرِ ما يُستوقف في المجموعة ذلك التوتر بين المعنى الذي نعرفه والمعنى الذي يريده الشاعر, فالشاعرُ ينطلقُ أحيانًا من فكرةٍ قريبةٍ من الوعي اليومي، ثم يزحزحها قليلًا عن مكانها المألوف، فتبدأ في اكتساب دلالةٍ أخرى, وهذه الزحزحة هي، في جوهرها، فعلٌ شِّعري؛ لأنَّ الشاعرَ لا يخترع دائمًا موضوعه من العدم، وإنّما يعيدُ ترتيب علاقتنا بما نظنّه معروفًا, وفي هذه المنطقة تحديدًا تظهر قيمة التجربة؛ أنْ تجعلَ القارئ يرى الشيء الذي اعتاد رؤيته، ولكن بعينٍ لم يعتدها.
إنّ شِّعريةَ القاصد لا تقوم إذن على كثافة المعنى وحده، وإنّما على طريقةِ توزيعه داخل النصّ؛ فقد يختبئ المعنى في صورة، أو يتأخر في جملة، أو ينقلب في خاتمة القصيدة، أو يتوّلد من مفارقةٍ بين عبارتين, وهذا التأخير أو الانقلاب يمنح النصّ حركته الداخلية، ويجعل القراءة فعل اكتشاف لا فعل تلقٍّ فحسب, فحين لا يصل المعنى إلى القارئ من الطريق الأقصر، يصبح الطريق نفسه جزءًا من التجربة الشِّعرية.
ومن هنا يمكن فهم دلالة (الارتباك) في عنوان المجموعة على نحوٍ آخر؛ فالارتباكُ لا يقع في المعنى وحده، بلْ يقع في علاقتنا به أيضًا.
الشاعر يربكُ توقع القارئ، وينقل المعنى من منطقة الاستقرار إلى منطقة الاحتمال، ثم يترك للقصيدة أنْ تقوم بما لا تستطيع العبارة التقريرية أن تقومَ به, وهذا النوع من الارتباك هو الذي يمنح النص حياته؛ لأنَّ المعنى المستقرّ تمامًا قد يُفهم، لكنَّه لا يبقى طويلًا في الذاكرة، أما المعنى الذي يترك وراءه سؤالًا، فإنَّه يستمر في القارئ حتى بعد أن تنتهي القصيدة.
ومن المفيد هنا ألّا ننظر إلى البلاغة في المجموعة بوصفها كثرةً في المحسنات أو استعراضًا لقدرة لُغوية، بلْ بوصفها طريقةً في التفكير الشِّعري, فبلاغةُ القاصد، حين تنجح، لا تفصل بين جمال العبارة وعمق الفكرة، وإنّما تجعل الجمال نفسه طريقًا إلى الفكرة. ولهذا فإن بعض مواضع المجموعة لا تستوقفنا لأنها قالت شيئًا جديدًا بالضرورة، بل لأنها جعلتنا ننتبه إلى شيءٍ قديمٍ بطريقةٍ جديدة.
وهنا تتضح خصوصية التجربة أكثر: القاصد شاعرٌ لا يكتفي بأنْ يمتلك اللغة، بل يحاول أنْ يختبرَ قدرتها على حمل التجربة. وبين امتلاك اللغة واختبارها مسافةٌ نقديةٌ مهمة؛ ففي الأولى تكون اللغة وسيلةً جاهزة، أما في الثانية فإنها تدخل في صراعٍ مع الفكرة والشعور والصورة، ومن هذا الصراع يتولد الشعر.
لذلك فإنَّ (حين يرتبك المعنى) لا تُقرأ بوصفها مجموعةً من القصائد المتجاورة فحسب، وإنَّما بوصفها تجربةً تبحث عن اللحظة التي يتغير فيها المعنى حين يمرّ عبر ذات الشاعر. وهذه اللحظة هي التي تستحق أن يتوقف عندها النقد؛ لأنَّ الفرقَ بين شاعرٍ وآخر ليس في الموضوع الذي يكتب عنه، بل في الأثر الذي تتركه تجربته في ذلك الموضوع، وفي مقدار ما يستطيع أن ينتزعه من المألوف ليعيده إلينا أكثر حياةً ودهشةً.
ولعلَّ قصيدة (يا عالم الشعر) تُقدّم نموذجًا واضحًا لهذه الطريقة في إنتاج المعنى، ففي قوله:
يا أيها الناس من منكم رأى وطني
أوصافه أسمر الخدين يشبهني
وكنت أرسمه رأسًا وأرفعه
وظل يرسمني أرضًا ليسحقني
ينطلق القاصد من سؤالٍ يبدو في ظاهره مباشرًا: (من منكم رأى وطني؟)، غير أنَّ الوطنَ الذي يبحثُ عنهُ الشاعر لا يأتي في صورة جغرافية مألوفة يعرفها الجميع، وإنّما يتشكّل في ملامح الإنسان. فهو أسمر الخدين يشبهني. وهنا تنتقل صورة الوطن من الخارج إلى الداخل؛ فلا يعود الوطن أرضًا وحدودًا، بل يصبح شبيهًا بالذات، حتى يكاد الشاعر يرى نفسه في ملامحهِ. إنَّها ليست استعارةً عابرة، وإنّما إعادة تعريفٍ لعلاقةِ الإنسان بوطنهِ؛ فالوطن يشبه الشاعر, لكن المفارقة الأشد حضورًا تأتي في البيتين الأخيرين، حين تنقلب العلاقة بين الشاعر والوطن: (وكنت أرسمه رأسًا وأرفعه/ وظل يرسمني أرضًا ليسحقني). فالشاعرُ في البدايةِ هو الذي يمنحُ الوطن صورةً ويرفعه، ثم يُصبح الوطن هو الذي (يرسم) الشاعر، ولكن لا بوصفه رأسًا مرفوعًا، وإنّما بوصفه (أرضًا) تُسحق! وهنا يحدث التحوّل الشِّعري الأهم: المعنى الوطني الذي يمكن أنْ يُقال بصورةٍ تقريرية يتحوّل إلى مفارقةٍ موجعة، يصبح فيها الانتماء نفسه مصدرًا للألم.
والفعل (يرسمني) يستحقّ التوقف؛ لأنَّ الشاعرَ أعاده إلى الوطن بعد أنْ كان هو الذي (يرسمه). هذا التبادل بين الفعلين ليس مجرّد تلاعب لغوي، وإنّما هو الذي يصنع البِنية الدلالية للمقطع كله: أنا أرسم وطني، ووطني يرسم مصيري. غير أنَّ الرسمَ الثاني أكثر قسوة؛ فالوطن لا يرسم الشاعر في هيئة إنسانٍ أو رأسٍ مرفوع، بل (أرضًا)؛ والأرض هنا لا تحمل دلالة الاحتواء والانتماء فحسب، بل تتحوّل إلى مساحةٍ للسحق.
ومن هنا يصبح (الارتباك) في المعنى منتجًا للشعر فعلًا؛ إذ يبدأ النصّ بصورةٍ حميميةٍ للوطن الذي يشبه الشاعر، وينتهي بصورةٍ صادمةٍ للوطن الذي يسحقه. وبين الصورتين تتبدل دلالة الوطن من الشبيه إلى القاتل، ومن المرفوع إلى المسحوق. وهذه المسافة بين المعنيين هي التي تمنح النصّ توتره الشِّعري، وتكشف أنَّ المبدعَ لا يكتفي بأنْ يقولَ موقفًا، بلْ يبحث عن الطريقةِ التي تجعل الموقف يتحوّل إلى صورةٍ شِّعريةٍ تبقى عالقةً في ذهن القارئ.
ويقول في قصيدة ( محضر توبيخ لشهيد ما) التي تكون المفارقة صورتها، بدءً من عنوان القصيدة مرورًا في المفارقة بين (اختفائك) و(بقائك)، وبين الموت والدفاع عن الحياة:
قفْ أنتَ وحدكَ في اختفائك
متْ كي تدافعَ عن بقائك
الشاعر يبني مفارقة دلالية حادّة, الشهيد يموت لكيْ يثبت حقّه في الحياة، فيتحوّل الموت من نقيضٍ للبقاء إلى وسيلةٍ من وسائله! وهنا يتجلّى الارتباك شعرًا في هذه المفارقة الرائعة. ولفظة (اختفائك) لا تعني الغياب الجسدي وحده، بلْ قد تُوحي بمحو الشهيد من الذاكرة أو محاولة تغييب أثره؛ لذلك يأتي الأمر (قف) في مواجهةِ هذا الاختفاء، وكأنَّ الوقوفَ هنا فعل مقاومة رمزية.
والأجمل أنَّ العنوانَ (محضر توبيخ لشهيد ما) يضاعف المفارقة؛ فالشاعر يتعامل مع الشهيد كما لو أنَّه متهمٌ يُستدعى إلى محضر توبيخ، بينما الحقيقة أن التوبيخَ ينقلب على الواقع نفسه, كيف يُلام من مات دفاعًا عن بقائه؟ وهذه المفارقة تفتح القصيدة على شِّعرية سياسية ووجودية في آنٍ واحد, والقاصدُ بارعٌ في هكذا بناءٍ شِّعري, وأحسب أنَّ الفرادةَ تكمن في هذه الطريقة التي يبدع فيها ويقف في حيّزٍ خاصٍ به يميّزه عن غيره, لأنَّ من شروط
الشاعر التجربة أنْ تكون له منطقة وطريقة خاصّة, فهو حتَّى في رثاء أستاذه (مولاه) كما يعبّر عنه (محمد حسين الأعرجي) يستعمل هذه الطريقة من الارتباك المعنوي لينتج شعرًا يقول من قصيدته (يا هيبة المعنى):
الله يخلق للعراق طفولةً
والموت يرفض ما يريد اللهُ
في هذا البيت: (الله يخلق للعراق طفولةً/ والموتُ يرفضُ ما يريدُ الله)، لا يقف الشاعر عند حدود التعبير عن الفقد، ولا يجعل الطفولة صورةً عابرةً للحزن، وإنّما يخلقُ مفارقةً شِّعريةً تتجاوز الحدث إلى سؤال أعمق يتعلق بحق العراق في الحياة الكريمة, فالطفولةُ هنا ليست عمرًا زمنيًا فحسب، وإنّما هي رمزٌ للبداية، والبراءة، والمستقبل أيضًا، ولذلك فإنَّ قول الشاعر: (الله يخلق للعراق طفولةً) يبدو وكأنَّه إعلانٌ عن إرادةِ الحياة في مقابل تاريخ طويل من الموت.
وتتجلّى أهمية الفعل (يخلق) في أنَّه لا يدلّ على مجرّد العطاء، بلْ على الإيجادِ والتكوين؛ فالله لا يمنح العراق طفلًا وحسب، بل (يخلق) له طفولةً، أي يفتح أمامه إمكانيةً جديدة للحياة. كما أن تنكير (طفولةً) يخرج بها من التحديد إلى الإطلاق، فلا تعود طفولة طفل بعينه، وإنّما تصبحُ طفولةً تتكرّر كلّما وُلد طفل، وكلّما استعاد العراق شيئًا من قدرته على الحُلم.
غير أن الشاعر سرعان ما يقلب هذه الصورة المضيئة حين يقول: (والموتُ يرفضُ ما يريدُ الله). وهنا تبلغُ المفارقة الشِّعرية ذروتها؛ فالموت لا (يأخذ) ولا (يخطف) ولا (يقتل)، وإنّما (يرفض) إرادة الله. وهذا الاختيار اللغوي هو أكثر عناصر البيت إثارةً، لأنَّه يمنحُ الموت إرادةً وشخصيةً وموقفًا، فيتحوّل من حقيقة بيولوجية إلى قوةٍ تشبه الخصم الذي يقف في الجهة المقابلة للحياة, وهذه إحدى وظائف الشعر, أنْ يمنح الأشياء الجامدة حياة داخل المخيلة.
ومن الناحية الفنية، فإنَّ تشخيص الموت هو الذي يمنح البيت توتره الدرامي, لقد جعل الشاعر طرفين متقابلين: الله يخلق، والموت يرفض؛ أحدهما يؤسس للحياة، والآخر يعمل على تعطيلها, وبذلك لا يعود الموت مجرّد خاتمة للوجود، بل يصبح، في المخيال الشِّعري، قوّةً تُصادر المستقبل قبلَ أنْ يبدأ. وهذا تحديدًا ما يجعل استحضار الطفولة مؤلمًا؛ فالطفل هو الكائن الذي لم يصل بعد إلى مستقبله، وحين يقتله الموت، فإنَّه لا يسلبهُ حياته وحدها، بلْ يسلب العراق أيضًا مستقبلًا كانَ يمكن أنْ يتحقق.
أما عبارة (ما يريد الله) فتمنح البيت بعدًا آخر؛ إذ لم يقل الشاعر (ما خلق الله)، وإنّما اختار (ما يريد الله)، فنقل الصراع من مستوى الواقع إلى مستوى الإرادة. الله يريدُ الحياةَ، بينما يبدو الموت، في عين الشاعر، وكأنَّه قوّةٌ تعترض هذه الإرادة. ومن المهم هنا ألا يُقرأ البيت قراءةً لاهوتيةً حرفية؛ فالشاعر لا يؤسس تصورًا عقائديًا عن علاقة الموت بالإرادة الإلهية، وإنّما يستخدم المفارقة والتشخيص ليعبّر عن فداحةِ الموت حينَ يُصيب الأطفال، حتى يبدو الأمر، من شدة العبث، كأنَّ الموتَ يُعاندُ إرادة الحياة نفسها, والعراق في هذا السياق ليس مجرّد مكانٍ تجري فيه الحادثة، بل هو شخصية البيت المركزية. فقول الشاعر (للعراق طفولةً) يحمّل الوطن معنى الإنسان؛ العراق له طفولة، وله مستقبل، ويمكن أن يُقتل مستقبله كما يُقتل الطفل. وهنا تتسع الدلالة من الطفل الفرد إلى الوطن كله، ومن مأساة الموت إلى مأساة وطنٍ ظلّت الحروب والعنف والفقد تتدخل في طفولته، وتقطع عليه طريق النمو الطبيعي.
ومن اللافت كذلك أن البيت يبدأ بفعل الخلق وينتهي بفعل الرفض، أي أنَّه يتحرك من الحياة إلى تعطيل الحياة. وهذه الحركة تمنحه بناءً داخليًا محكمًا؛ فالشاعر يفتح باب الأمل في الشطر الأول، ثم يأتي الشطر الثاني ليغلقه بصورة مفاجئة. ولذلك فإنَّ أثرَ البيت لا ينتج من الحزن وحده، وإنّما من هذه الخيبة التي تقع بين الشطرين: هناك من يخلق طفولةً للعراق، وهناك موتٌ لا يسمح لها بأنْ تكتملْ.
ولعل أجملَ ما في البيت أنَّه لا يقول إنَّ العراقَ فقد طفولته فقط، بل يجعل فقدانها نتيجةً لصراعٍ مستمرّ بين إرادة الحياة وقوى الفناء, فالطفولةُ تُصبحُ هنا استعارةً للمستقبل، والموت يُصبحُ استعارةً لكلِّ ما يحول دونَ وصول العراق إلى ذلك المستقبل. ومن ثم فإنَّ البيت، في عمقه، ليس رثاءً للطفولة بقدر ما هو احتجاج شِّعري على اغتيال المستقبل.
إنَّ الشاعر عبرَ كلمات قليلة، استطاع أن ينقل الموت من كونهِ حدثًا فرديًا إلى قضية وطنية وإنسانية، وأنْ يجعل الطفل العراقي علامةً على وطنٍ يريد أن يولد من جديد. ولذلك تبدو المفارقة الأخيرة أكثر قسوة: الله يخلق للعراق طفولةً، لكن الموت يظل حاضرًا ليقول إن الولادة وحدها لا تكفي، ما لم تُترك الطفولة لتعيش وقتها كاملاً.
ولهذا، حين نقرأ القاصد في هذه المجموعة، فإنّما نقرأ شاعرًا يعرفُ سرَّ الصنعة، ويمتلكُ موهبةً خلّاقةً قادرةً على أن تُنتجَ من اللاشيءِ أشياءَ كثيرة، وأن تستخرجَ من التفاصيلِ العابرةِ دلالاتٍ واسعة، ومن المفردةِ المألوفةِ طاقةً شعريّةً جديدة. فهو لا يكتفي بصناعةِ القول، بل يعيدُ تشكيلَ الأشياءِ باللغة، حتى تبدو القصيدةُ وكأنّها اكتشافٌ لما كان خفيًّا في الحياة؛ ولهذا، فإنّ القاصد، بما يمتلكه من موهبةٍ ووعيٍ شعريٍّ وقدرةٍ على تحويلِ التجربةِ إلى معنى، سيبقى حاضرًا في الذاكرةِ الإنسانيّةِ طويلًا؛ لأنَّ الشعرَ الحقيقيَّ لا ينتهي عند حدودِ القصيدة، بل يبدأُ منها، ليستمرَّ في وجدانِ القارئ، وفي ذاكرةِ اللغة، وفي الزمنِ الذي لا يحتفظُ إلا بما استطاعَ أن يمنحَ الجمالَ معنى، والمعنى حياةً أخرى.
وخلاصةُ الختام في هذا القول، إنَّ تجربةَ الشاعر حسين القاصد في هذه المجموعة لا تُقرأ بوصفها تمرينًا على القول الشِّعري فحسب، بل بوصفها تجربةً واعيةً تبحثُ عن المعنى في مناطقَ قد تبدو عابرةً أو مألوفة, فلقد استطاع أن يجعلَ من اللغةِ أداةً لاكتشافِ العالم، ومن الشِّعرِ وسيلةً لإعادةِ ترتيبِ علاقتنا بالأشياءِ والذاكرةِ والإنسان. ومن هنا تأتي قيمةُ تجربته؛ فهو شاعرٌ لا يكتفي بأن يقولَ ما نعرف، بل يحاولُ أن يجعلنا نرى ما لم نكن نراه. ولعلّ أجملَ ما يمكن أن يُقال في ختامِ هذه القراءة أنَّ القاصدَ حين يكتبُ قصيدته، فإنَّه لا يكتبُ للنصِّ وحده، وإنّما يكتبُ لما سيبقى بعد النص؛ ولذلك سيظلُّ شعره قابلًا للقراءةِ والاكتشاف، وسيجدُ له مكانًا في ذاكرةِ الشعرِ العراقيِّ والعربيِّ، ما دام قادرًا على أن يحوّلَ التجربةَ إلى جمال، والجمالَ إلى معنى، والمعنى إلى أثرٍ لا يزول.
.jpeg)
.jpeg)
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي