loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أكملنا السيادة.. فلنكمل حكومة السيادة

breakLine
2026-10-07

رياض الفرطوسي
كاتب وباحث | عراقي

 

في تاريخ الأمم لحظات تشبه الفجر: ضوء يكفي ليرى المرء الطريق، ولا يكفي ليسير فيه. والعراق اليوم في هذه اللحظة. أنجز قراره الوطني، وصار صوته في الإقليم والعالم صوتاً يخرج من بيته ولا يُملى عليه، ووُقّعت موازنته فاكتسب الاقتصاد أفقاً يمكن الركون إليه. لكن البيت الذي أُعيد إليه سقفه ما زالت في جدرانه نوافذ مفتوحة، منها وزارتا الدفاع والداخلية، ومعهما حقائب أخرى تنتظر من يحملها.
ذهب ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة عن السياسة بوصفها مهنة إلى أن السياسة حفرٌ بطيء في الخشب الصلب، يحتاج إلى حماسة وإلى حسّ بالمسؤولية معاً. والحماسة في العراق لم تنقص يوماً، فقد صنعت الاستقلال الأخير. الذي ينتظر الآن هو الشق الثاني، أي المسؤولية التي تحوّل الإنجاز إلى مؤسسة، والموقف إلى إدارة، والعزيمة إلى دوام رسمي منتظم تحت سقف كامل.
ولنقل أولاً ما ينبغي أن يُقال بوضوح. الحكومة التي نالت ثقة البرلمان شرعية بكاملها، ونقص بعض حقائبها لا ينتقص من شرعيتها. لكن الشرعية شيء والقدرة شيء آخر. وقد كتب فرانسيس فوكوياما في بناء الدولة أن العبرة بقوة أجهزة الدولة وكفاءتها لا بسعة ما تمسك به. والكفاءة تقتضي وزيراً أصيلاً يملك أن يقرر ويتحمل تبعة قراره. أما الوكالة فترتيب يحفظ الاستمرار ولا يصنع الاتجاه. الوكيل يوقّع على ما ورث، ولا يغامر بما يبني، لأنه لا يدري أيبقى غداً.
وهذا يقودنا إلى مغالطة تتكرر كلما طال انتظار الاكتمال، وهي أن النظام التوافقي يعني بالضرورة التأخير. ليس الأمر كذلك. التوافق عقد بين مكونات البلد، وفي العراق يسكن هذا التنوع من الفاو إلى زاخو، ومن سنجار إلى سامراء، فيه العربي والكردي والتركماني والمسيحي والإيزيدي والصابئي. هذا التنوع ثروة الدولة وليس عبئاً عليها. وقد ذهب دارون أسيموغلو وجيمس روبنسون في كتابهما لماذا تفشل الأمم إلى أن مصير الأمم تحدده مؤسساتها الجامعة التي تتسع للجميع وتحاسب الجميع. فالتوافق إذا انضبط بمعايير معلنة صار قوة، وإذا انفلت صار مساومة مفتوحة على الزمن.
أما القول بأن الضغوط الخارجية هي العلة فنصف الحقيقة. للعراق علاقات متشابكة ومصالح مع الجوار والعالم، وهذا قدر الدول المهمة جغرافياً. لكن الدولة التي استعادت قرارها لا تُقاس بخلو محيطها من الضغوط، بل بقدرتها على أن تقول كلمتها وهي تحت الضغط. وقد علّمنا الماوردي في الأحكام السلطانية أن للوزارة نوعين، وزارة تفويض تُطلق يد الوزير في التدبير، ووزارة تنفيذ تقيّده برأي من ولّاه. ونحن في حاجة إلى وزراء يجمعون الصلاحية والتبعة معاً، لا إلى منصب يُملأ لمجرد أن يُملأ.
ولنسأل كيف ينظر إلى ذلك من وراء البحار. الصحافة ومراكز الدراسات في العواصم الغربية لا تقرأ تأخر اكتمال الحكومات حدثاً إدارياً عابراً، بل تعدّه مؤشراً على متانة الدولة. المستثمر الذي يسمع بالاستقرار يبحث عن توقيع وزير مسؤول، وشريك الأمن يبحث عن محاور بصلاحيات كاملة. وحين يطول الفراغ، لا يستنتجون أن السياسة بطيئة، بل يستنتجون أن القرار متفرق. والعراق يستحق أن يُقرأ بما هو عليه، دولة اتخذت قرارها واجتمعت على إكماله.
ومن هنا يتبين أن اكتمال الكابينة ليس ترتيباً حزبياً يخص هذا الطرف أو ذاك. هو رسالة تخص الدولة بكل مكوناتها، تقول للمواطن في الجنوب والشمال والغرب والوسط إن مؤسساته مكتملة. وتقول للجار إن العراق يملك محاوراً مفوضاً. وتقول للمستثمر إن الموازنة التي أُقرّت ستجد من ينفذها ويُسأل عنها. وإنما الاطمئنان في العراق، كما في كل بلد، يأتي من استقرار المؤسسات قبل أن يأتي من الخطابات.
ولكي لا يبقى الاكتمال اسماً على الورق، أرى أن يقوم على ثلاثة محاور تُبنى عليها سياسة الحكومة طوال سنواتها الأربع. أولها ما بعد السيادة، أي أن نتفق على ترجمة القرار الوطني إلى منهج حكم: كيف تُدار العلاقات الخارجية بميزان المصلحة، وكيف يُصان الداخل بقانون واحد يسري على الجميع، وكيف تُقاس الإنجازات بنتائج يلمسها الناس. وثانيها المنظومة الأمنية، وفيها تُختار القيادات بمعايير معلنة تسبق الأسماء، فيُعيَّن الأكفأ والأنزه بمقياس يعرفه الجميع. وثالثها المنظومة الاقتصادية، حيث تُربط الموازنة بجداول تنفيذ واضحة، ويُتتبع كل مشروع من الاعتماد إلى الإنجاز، ويُحاسَب كل تلكؤ.
ولكل محور من هذه المحاور لجنة عليا مشتركة تجمع نواباً من اللجان المعنية، وأهل الاختصاص من الأمن أو الاقتصاد، وممثلين عن هيئة النزاهة. لا تحلّ اللجان محل الحكومة ولا محل البرلمان، بل تمنحهما إطاراً مشتركاً يجعل القرار مسؤولية جماعية. وحتى لا تتحول اللجان إلى طبقة جديدة من الإجراءات، يشرف مجلس القضاء الأعلى على سلامتها القانونية ونزاهة عملها، دون أن يتدخل في القرار السياسي، فللتنفيذ سلطته وللبرلمان رقابته وللقضاء ضمانة الشرعية. وبهذا تتوزع الأدوار بما يحفظ فصل السلطات ويقوّي التعاون بينها.
ويحسن أن تنتقل هذه الرؤية إلى الرئاسات الأربع بالتسلسل. فرئاسة الجمهورية حامية الدستور والجامعة لمكونات البلد، ورئاسة مجلس الوزراء صاحبة التنفيذ، ورئاسة مجلس النواب مصدر الثقة والرقابة، ومجلس القضاء الأعلى ميزان الشرعية. وإن اجتمعت الأربع على خطة واحدة، تحولت تسمية الوزراء من استحقاق متنازع عليه إلى فصل من فصول بناء الدولة.
أنجزنا قرارنا حين وقفنا صفاً واحداً أمام لحظة كانت تتطلب الوقوف. وبقي أن نقف صفاً واحداً أمام لحظة لا تقل شأناً: أن نمنح هذا القرار من يحمله، وأن نمنح هذا الوطن حكومة تليق باسمه. فلنكمل حكومة السيادة، قبل أن يسبقنا الزمن إلى ما كان في وسعنا أن نسبقه إليه.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي