مقالات ادبية واجتماعية وفنية
أمير مهدي يوسفي/كاتب باحث إيراني
لم تعد الهوّة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل مجرد إشكالية هامشية تُناقَش في أرْوِقة السياسات التعليمية، بل استحالت منذ زمن طويل إلى أزمة بنيوية عميقة تنخر الهيكل الاقتصادي لكثير من دول العالم بجلاء لافت.
ففي حين ترتفع معدلات الالتحاق بالتعليم الجامعي متواصلاً بداعي الحصول على شهادة أكاديمية، تتخطى معدلات بطالة الخريجين عتبات مثيرة للقلق وكأن التعليم الجامعي بمعزل تام عمّا يلزمه الطالب في سوق العمل.
ويكمن جوهر الأزمة فيما يمكن تسميته بـ"انفصام المنظومة"؛ أي الهوّة الموصوفة بين الإطار المعرفي الأكاديمي من جهة، والكفايات الوظيفية الفعلية من جهة أخرى. فالمناهج الجامعية في معظمها صيغت في العقود الماضية ولم تُراجَع جوهرياً بعد لمواكبة الثورة الرقمية، فظلت وفية بمنطق الإيحاء والحفظ على حساب التفكير النقدي وملكة حل المشاكل بمهارات عملية. يُضاف إلى ذلك، الغياب شبه التام لشراكات حقيقية بين المؤسسات الجامعية وقطاع الأعمال، إذ تنفرد الأكاديميا بتصميم مناهجها بمعزل عن الجهات المستقبِلة لخريجيها، فتتسع الهوة بين ما يُدرَّس وما يُطلَب لاحقاً.
وفي سياق دول العالم الثالث تحديداً، تتضافر عوامل استثنائية تُضاعف المشهد تعقيداً. فالهشاشة الاقتصادية والاضطرابات السياسية تُضعفان الطلب على مهارات بعينها، فيما تُقيّد الفجوة الرقمية وصول الطلاب إلى منصات التعلم الرقمية التي باتت ركيزة التأهيل المهني والعلمي في القرن الحادي والعشرين. أما الأشد وطأةً هو نزيف العقول المتواصل، حيث تفقد هذه الدول سنوياً آلاف الكفاءات التي أنفقت على تأهليها لتجني الدول الأخرى ثمارها، فتجمع بذلك بين خسارتين متلازمتين: بطالة الخريجين في الداخل، وهجرة الأدمغة إلى الخارج.
أما الخروج من هذا المأزق فلن يتأتى بالتوسع الكمي في الجامعات القائمة، بل بإعادة تصميم فلسفة التعليم جذريا. فهناك تجارب دولية رائدة كالنموذج الألماني الذي يُدمج الدراسة النظرية بالتدريب الميداني في بيئات الإنتاج الحقيقية، أو النموذج السنغافوري الذي يشرك القطاع الخاص بصورة ممنهجة في تقديم المناهج و المقررات الدراسية.
في ضوء ما تبين، فليست الحاجة الفعلية رهينة بمزيد من حاملي الشهادات، بل يكمن الحل في إنشاء منظومة تعليمية محدثة تخرّج مفكرين قادرين على التفكير النقدي البناء، يجمعون بين العمق المعرفي والقدرة على التكيف مع عالم يتغير بوتيرة متسارعة تقصي المناهج المتأخرة لا محالة!
...........................
الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-
او تحميل تطبيق نخيل
للأندرويد على الرابط التالي
لاجهزة الايفون
او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي